كسلا الوريفة ومشاهدات رحلة عام من النزوح!

تقرير: محمد سيف
كانت ولازالت ولاية كسلا – شرقي السودان- او ما يطلق عليها ب*الوريفة* إحدى الملاذات الآمنة لآلاف الوافدين من السودانيون الذين نزحوا إليها من العديد من مدن السودان المختلفة جراء الحرب المستعرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ اكثر من عام.
الاصيلون الغرباء :
ومن تصاريف القدر أن هناك أعدادا مقدرة من الوافدين يعتبرون من سكان ولاية كسلا الاصيلين إذ انهم نشأوا وترعرعوا بها وسط أهلهم وذويهم وجيرانهم وكانت لهم أملاك وعقارات باعوها في فترات متباعدة من الزمان ولم يدر بخلدهم انهم سيعودون إليها مرغمين مرة أخرى.. ولكن هذه المرة كنازحين شأنهم شأن من تذوق مياه توتيل أول مرة بعد ان ساقته قدماه لديار نهر القاش، وجد هؤلاء الاصيلون الغرباء أنفسهم يرزحون بين مطرقة استئجار المنازل المرتفعة الثمن وسندان الإقامة في دور الإيواء (المدارس والأندية والداخليات)؛ لان منازل الأهل والجيران القدامى نفسها اكتظت بالوفود النازحة من ولايات الحرب ولم تعد تحتمل المزيد..!.
دور الإيواء :
لم يخل حي أو مدينة من مدن كسلا العامرة من دار إيواء للنازحين، وتختلف مراكز الإيواء في سعاتها وجاهزيتها مابين المدارس وداخليات الجامعات وبعض دور الأندية الرياضية التي كانت في أول ايام النزوح بمثابة متنفس للشباب للعب الكوشتينة وممارسة الأنشطة الرياضية والمشاهدة، بيد أن بعض ذات هذه المتنفسات أضحت تحتاج إلى من ينفس عنها إذ صارت دورا للإيواء بعد مهاجمة قوات التمرد لولاية الجزيرة خواتيم العام الماضي ونزوح أعدادٍ كبيرة من الفارين من جحيم الحرب إلى ولاية كسلا التي امثلات مدارسها عن سعاتها ولم تجد السلطات مخرجا إلا بتحويل بعض دور الأندية الرياضية إلى مراكز ايواء لاستقبال الوافدين الجدد.
المتعايشون الجدد :
دون سابق ترتيب ومعرفة وجد المقيمون في مراكز الايواء أنفسهم جزءا من مجتمعات جديدة تختلف في طرق تفكيرها وطبقاتها الاجتماعية وأوضاعها الاقتصادية وكان لابد للجميع من تقديم تنازلات حتى يتسنى لهم الانصهار والاندماج في المجتمع الجديد.
قطعا تختلف طبيعة السكن في مراكز الإيواء عن المنازل سيما في الفصول التي تضم أكثر من اسرة واحدة ولكن سرعان ما يجمع بين الجميع الهم الواحد، هم (النزوح)، وبهذا الانصهار نجد ان بعض الأسر اصبحت تعتمد على نظام المطبخ الموحد في إعداد الطعام بان تقسم النساء بينهن الأيام والأدوار لتجهيز الطعام للموجودين في المركز خاصة أن مصدر المواد الغذائية في الغالب يكون مصدرا واحدا وهو المنظمات.
الأوضاع الاقتصادية :
أبت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة إلا أن تلاحق النازحين اين ماحلو فالمصائب لاتأتي فرادى، فاسعار الخدمات والاحتياجات في ولاية كسلا الوريفة قبل عام الحرب اي في شهر ابريل من العام ٢٠٢٣م كانت جميعها في متناول اليد ولكن تضاعفت مع عام الحرب كل الاسعار الآن إذ تضاعفت قيمة خطوط المواصلات الداخلية من ٢٠٠جنيه إلى ٥٠٠ جنيه وارتفع سعر طلب الفول – الوجبة الأكثر شعبية ورواجا في المطاعم السودانية- من ٤٥٠ إلى ١٢٠٠ جنيه، وارتفع سعر طلب (القهوة) من ١٠٠ جنيه إلى ٤٠٠ جنيه، وارتفع سعر استئجار الغرفة من ٢٥٠ و٣٠٠ جنيه إلى ٥٠٠ و٦٠٠ جنيه للغرفة المفروشة، وعلى ذلك فقس بالنسبة لبقية الخدمة ولاشك ان هذا الغلاء المطرد نتاج طبيعي للتدهور الاقتصادي خلال عام الحرب وتساقط الجنيه السوداني أمام الدولار الأمريكي الذي لامس حاجز ال١٩٠٠.
مصائب أتت بعضها فوق بعض مع شح فرص العمل وضعف الخدمات المقدمة من المنظمات، ولكن لازال أمل النازحين معلقا في الله لغد مشرق يعودون معه إلى ديارهم سالمين آمنين.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول المزيد