شاهد يروي أسباب بكاء “أم كلثوم” في زيارتها التأريخية للخرطوم

120

 

وكالات: نفاج نيوز

في أواخر ديسمبر 1968، تحوّلت الخرطوم إلى مسرح مفتوح للحماس القومي، حيث استقبل السودانيون أم كلثوم بحفاوة غير مسبوقة، في مشهد تجاوز حدود الإعجاب الفني إلى مستوى الاحتفاء الوطني. جاءت الزيارة في ذروة جولات كوكب الشرق لدعم المجهود الحربي بعد نكسة يونيو 1967، ومع صعودها على خشبة المسرح القومي في أم درمان، لم يكن الجمهور أمام مغنية وحسب، بل أمام رمز لعصر كامل.

يروي وزير الثقافة والإعلام الأسبق في السودان، البروفيسور علي شمو، ذكرياته عن تلك الزيارة التاريخية، قائلاً لـ”العربية.نت”: “زيارة كوكب الشرق للسودان جاءت بعد ما يُسمى بهزيمة 1967. كانت تلك الهزيمة قاسية، وأدت إلى إحباط واسع في الرأي العام العربي بصفة عامة.. كان هذا الإحباط سائداً في المجتمع العربي، مما دفع بعض الشخصيات البارزة للنهوض، ومن بينهم أم كلثوم، التي أرادت استعادة القوة والهيبة للقوات المسلحة ورفع الروح المعنوية. فقامت بما يُعرف بـ’المجهود الحربي”، حيث قررت التجول في العالم العربي وإحياء حفلات يعود ريعها لدعم القوات المسلحة العربية. وكان السودان أول دولة تستقبل هذه الزيارة”.

يشير علي شمو، الذي كان يشغل منصب مدير التلفزيون في ذلك الوقت، إلى أن “السودانيين تعاملوا مع أم كلثوم كأنها رئيس دولة، حيث خصّصت شركة “سودان إيرويز” طائرة خاصة لها، بالإضافة إلى الصحافيين والضيوف المرافقين. عند وصولها إلى المطار، استقبلها وزير الإعلام آنذاك، عبد الماجد أبو حسبو، وكان المطار مزدحماً بجمهور غفير. وكإعلاميين، قمنا بتغطية الحدث عبر عدد كبير من الصحافيين وفرق الإذاعة”.

ويوضح شمو أن أم كلثوم أحيت حفلتين في المسرح القومي. كانت الحفلة الأولى رسمية، حضرها الزعيم إسماعيل الأزهري، إلى جانب عدد كبير من الشخصيات المهمة، وكانت التذاكر مرتفعة السعر، ما جعل الحضور مقتصراً على طبقات معينة من المجتمع. كان هناك قلق من أن الجمهور السوداني، غير المعتاد على الحفلات الطويلة التي تمتد لأكثر من ساعة، قد لا يتفاعل معها كما يفعل الجمهور المصري، لكن المفاجأة كانت أن التفاعل كان استثنائياً.

أما الحفلة الثانية، فكانت مفتوحة للجمهور، وخصص ريعها لدعم المجهود الحربي. ورغم أن عائد حفلاتها لم يكن كافياً لشراء دبابة، إلا أن الهدف الأساسي كان رفع الروح المعنوية.

هذه ليلتي

يقول شمو لـ”العربية.نت“: “من المواقف المميزة أن أول أغنية أدّتها في السودان كانت “هذه ليلتي”، وهي من كلمات الشاعر اللبناني جورج جرداق. كان تسجيل السودان لهذه الأغنية من أفضل التسجيلات، لذا أُعيد استخدامه في العديد من المسارح لاحقاً”.

وأوضح شمو أن الصحافة السودانية والإذاعة والتلفزيون كانت مشغولة بتغطية الزيارة، التي طغت على كل النشاطات الاجتماعية في تلك الفترة، حيث استمرت منذ بدايات ديسمبر 1968 حتى الأيام الأخيرة من ذلك العام.

 

أقامت أم كلثوم في بيت الضيافة قرب صينية الاتحاد الاشتراكي بالخرطوم، حيث لم يُفضَّل إنزالها في فندق السودان أو “الجراند هوتيل”. ومن المواقف المؤثرة خلال زيارتها – كما يقول شمو – أنه في 25 ديسمبر، عندما عادت إلى مقر إقامتها بعد المغرب، وجدت احتفالاً ضخماً ومائدة عامرة تكريماً لها بمناسبة عيد ميلادها. تأثرت بشدة وبكت، لأنها لم تكن تتوقع أن يعرف السودانيون تاريخ ميلادها أو يحتفلوا به بهذه الحفاوة.

يؤكد شمو أن كل تفاصيل تلك الزيارة موثقة في دار الوثائق السودانية، حيث يمكن العثور على أرشيف الصحف التي غطتها في ديسمبر 1968. كذلك، تحتفظ الإذاعة السودانية بتسجيلات الأغاني التي قدمتها، والتلفزيون يمتلك جميع المقاطع المصورة، بينما توجد ألبومات صور فوتوغرافية توثق لحظاتها في السودان. رغم مرور الزمن، لا تزال هذه الزيارة حاضرةً في ذاكرة من عاشوا تلك الفترة.

 

التعليقات مغلقة.