السودان.. *تجفيف دور الايواء … اين يذهب هؤلاء؟*

146

*مجلس الطفولة : اتجاه لتجفيف دور الاطفال فاقدي الرعاية الوالدية!!*

*خبير اجتماعي:تجفيف دور الايواء يؤدي لخلق ازمات نفسية!!*

*تحقيق:ندى بدر*

*دور الايواء ليست جدر ومباني تحتضن اطفال لا ماوئ لهم ، بل هي مصدر الحنان والامان لاطفال جاءوا إلى الحياة دون ان يجدوا يدآ حانية تمسح دموعهم ، بل وفي احيان كثيرة قذفتهم ظروف الحياة القاسية الى الطريق لتلعب الصدفة دورآ في وصولهم الى تلك الدور ، وفي الايام الماضية اعلن مجلس الطفولة عن اتجاه لتجفيف دور الايواء والتي لا ندري ما المصير المجهول الذي ينتظر من بداخلها من اطفال او من سوف تأتي بهم الايام لتكون تلك الدار ماوئ لهم ، ماذا يعني التجفيف وما الغرض من ذلك وماهي الخطط الموضوعة للحفاظ على حقوق هؤلاء الاطفال ؟ كل تلك التساؤلات حاولنا ايجاد اجابة لها من خلال هذه الاسطر ….*

*معنى تجفيف!!*

مجرد ان يأتي ذكر دور الإيواء او دار المايقوما يتبادر الى الذهن تلك الخطيئة التي تم ارتكابها ونتج عنها طفل ، الى ان فاضت الدار بهؤلاء الاطفال دون النظر الى الناحية الانسانية والمسؤولية التي تقع على عاتق كل شخص ويتساءل الكثيرون عما إذا كانت تلك الدور مسؤولية مجتمع ام دولة ؟ وهل يجد الطفل الرعاية المطلوبة فيها؟ وقد تحدثت الينا واحدة ممن عاشوا مرارة هذه التجربة وقالت ان الاسرة البديلة كانت بالنسبة لها جحيم ولم يكن امامها سوى العودة الى موطنها (دار الايواء) بعد ان عاشت في احضان اسرة ظنت انها جزء منها وذات يوم صدمها سؤال قاس ممن كانت تظن انها خالتها (انتي فاكرة نفسك منو) وذلك عند مشاركتها الرأي في احد الامور التي تخص الاسرة ليعود بها هذا السؤال الى مرافئ الواقع المرير وتكتشف انه لا اهل لها . وفي الايام الفائتة اعلن الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة عبدالقادر عبدالله عن اتجاه لتجفيف مراكز إيواء الأطفال فاقدي الرعاية الوالدية بصورة علمية واستراتيجية ، بمشاركة الخبراء وأهل الاختصاص في مجال مناصرة قضايا الاطفال ، وحسب ما افادت به وزارة الرعاية الاجتماعية في وقت سابق ان تجفيف دور الايواء عبر الاسر البديلة لا يعني اغلاقها او عدم استقبال الاطفال بل يعني تجفيف منابع الظاهرة والوقاية من ولادة اطفال خارج الاطار الشرعي وكذلك اخراج الاطفال من الدار عبر الكفالة الاسرية البديلة وقد اسهم هذا المشروع في اخراج ما يزيد عن ثلاثة الف طفل في كفالة دائمة يعيشون في هذا المجتمع بأمان ووسط اسر وينعمون بالحنان والدفء وهذا حق اساسي للطفل ان يعيش حياة طبيعية في المجتمع حيث ان الدار تعتبر مؤسسة ايوائية تقدم خدمات الاستقبال والرعاية ، وتعمل الجهات المختصة بمساهمة طيبة من الخيرين في جعل الدار  مكانآ آمنآ لحفظ حياتهم والهدف الاستراتيجي هو توفير الكفالة الدائمة للطفل وحق الكفالة هو حق اساسي وفقآ لقانون الطفل للعام (2010) م .

*واقع مرير!!*

حسب احصائية قبل سنوات لوزارة الرعاية الاجتماعية للاطفال فاقدي الرعاية الوالدية اتضح ان ولاية الخرطوم تحتضن نسبة لا تقل عن(73%) من هؤلاء الاطفال ولاشك ان السبب الرئيس في ذلك هو وجود دور الايواء والتي على رأسها دار المايقوما التي انشئت في العام (1961) م وكانت تتبع لوزارة الصحة ولاية الخرطوم ولكن نسبة لانها تعالج مشاكل اجتماعية كبيرة وتحاول تصحيح خطأ ارتكبه بعض افراد المجتمع بانتاج ثمرة خارج الاطار الشرعي فقد تحولت تبعيتها لوزارة الرعاية الاجتماعية حيث تستقبل الدار اطفال من عمر يوم حتى اربع سنوات وفي بحث سابق اعدته منظمة اليونسيف بالتعاون مع وزارة الرعاية الاجتماعية اتضح ان (900) طفل يولدون سنويآ خارج اطار الزواج (700) منهم تستقبلهم دار المايقوما . منذ فترة طويلة ارتفعت اصوات مطالبة بفتح ملف دار المايقوما والخدمات المقدمة فيه خاصة الخدمات العلاجية التي عندما تعجز الدار عن توفيرها يتم نقل الطفل الى المستشفى ولكن مع الاسف الشديد تكون الحالة متأخرة مما يؤدي لوفاة الكثير منهم ، بين هذا وذاك وقبل اعوام ثلاث كان هناك اتجاه لتجفيف دار المايقوما لرعاية الأطفال فاقدي الرعاية الوالدية حيث اعلنت حكومة ولاية الخرطوم ممثلة في وزارة التنمية الاجتماعية سعيها لتجفيف دار الطفل بالمايقوما عبر الاسر البديلة وانشاء محفظة خاصة بهم عن طريق القرض الحسن بتمويل من صندوق التمكين الاجتماعي للريف بالولاية واقرت وزيرة التنمية الاجتماعية ولاية الخرطوم آنذاك د.امل البيلي بوجود فجوة في المعايير المستخدمة في الدور الايوائية لتواكب المؤشرات العالمية . وقد استهجن الكثيرون مساعي وزارة التنمية الاجتماعية لتجفيف دور الايواء واعتبروها من باب التمنى كما تم إطلاق عدد  من التساؤلات بمعنى اذا كان تجفيف هذه الدور يعني اغلاقها فان تم ايجاد معالجات لهؤلاء الاطفال من خلال الاسر البديلة فهل وضع في الحسبان بعض العاملات هناك من ارامل ومطلقات واين يذهبن بعد تشريدهن من عملهن؟؟ حول تجفيف دور الايواء تحدثت الينا واحدة من الذين نشأوا في احدى هذه الدور وقالت ان الدولة كانت ولا زالت تتعامل مع هذا الملف بشئ من الحياء ولابد من معرفة على عاتق من تقع مسئولية هؤلاء الاطفال لان القضية ليست قضية مجتمع بل دولة وانا فخورة باني ترعرعت في دور الايواء ولا اعتقد ان تجفيفها علاج لتلك المشكلة ولابد من النظر الى هذه القضية بافق واسع ومراعاة مصلحة الطفل من كل النواحي النفسية والاجتماعية والصحية .

*من المسؤول؟*

على عاتق من تقع مسئولية دور الإيواء ؟هذا السؤال يفرض نفسه بشدة مما حدا بالبعض للحديث عن ان الدولة وباعلانها الاتجاه لتجفيف دور الإيواء تسعى الى وضع هذا العبء جانبآ والتخلص من تلك المسؤولية ، وعلى سبيل المثال دار المايقوما التي اعتاد السكان في تلك المنطقة على وجودها ، وقد يأتي الشخص ليلآ ليسمع صراخ طفل موضوع قرب الدار وفي قارعة الطريق دون رحمة ولكن تجنبآ للتساؤلات وعلامات الاستفهام لا يجرؤ احد للاقتراب من ذاك الطفل ، ويقول السكان انهم لا يشعرون باي وصمة لوجود الدار في هذا المكان بل يتمنى الجميع ان يتم الاهتمام بها لان هؤلاء الاطفال لا ذنب لهم وقد حضروا الى الحياة في ظروف قاسية لا يد لهم فيها . وحول هذا الموضوع تحدث الينا الشيخ محمد هاشم الحكيم مؤكدآ اهمية هذه القضية  ومدى حوجة هؤلاء الاطفال للرعاية بدرجة اكبر من اليتيم  وحسب فتوى هيئة علماء السودان يعد هؤلاء الاطفال أيتام من الدرجة الثانية والاحسان اليهم اعظم من الاحسان لليتيم الذي له خال أو عم يرعاه ، ونجد تباينآ في المصطلح حيث يطلق على هؤلاء الاطفال (فاقدي الابوين) للتماشي مع المجتمع الحديث  ، لكن الشئ المهم هو أن مسؤولية الاطفال فاقدي الابوين تعود الى الوالدين «الام، الاب» في المقام الاول فلا يجوز للام ان تتخلى عن ابنها بل لابد ان ترضعه وذلك لقوله تعالى «الوالدات يرضعن أودلاهن» اما المسئولية الثانية مسؤولية الاسرة «الممتدة» وسكوتهم عن هذه القضية هو بمثابة المساعدة على المنكر وعلى اولياء الامور توفير كل سبل الرعاية كذلك لابد من «الرقابة» على هذه الدور الايوائية التي اقيمت لخدمة هؤلاء الاطفال .

*مشكلة معقدة!!*

وحول تجفيف دور الإيواء للأطفال فاقدي الرعاية الوالدية تحدثنا الى بعض خبراء الاجتماع ليعكسوا الآثار الاجتماعية المترتبة على مثل هذا القرار ومن جانبها اوضحت الخبير الاجتماعي فاطمة وقيع الله ان هذه المشكلة معقدة وذات ابعاد احتماعية واقتصادية واذا كان تجفيف هذه الدور يعني اغلاقها فينبغي ان يتم ذلك بصورة تدريجية  مع وضع الحلول التى تسد معظم المنافذ ان لم تكن كلها التي تؤدي الى تزايد اعداد الاطفال فاقدي الرعاية الوالدية واول هذه المنافذ وقف تيار الهجرة الى البلاد لانها تلعب دورآ كبيرآ في ذلك حيث ان بعض الوافدين لديهم ثقافة تتيح العلاقة الجنسية خارج اطار الزواج وفي السودان يواجه هؤلاء بالقانون الذى يمنع ذلك وبالتالى لاتجد من تضع جنينآ خارج اطار الزواج حلآ سوى ان تقذف به الى دور الإيواء ، لذا على الدولة ان  تضع قوانين ولوائح صارمة لمواجهة هذه المشكلة بجانب رفع الوعى وتشديد الرقابة الاسرية حتى لا يقع المحظور وبذلك يمكن القول أن اغلاق هذه الدور بدون وضع معالجات وحلول للمشكلة ربما يزيدها تعقيدآ . من جانبه اشار الخبير الاجتماعي يوسف حسن الى ان الخطأ من فطرة البشر لذا من الصعب جدآ تجفيف دور الإيواء ، كما ان الاسر البديلة ليست في كل الاحوال البديل الآمن لهؤلاء الاطفال ، خاصة ان تلك الاسر لا تجد الدعم المادي الذي يكفي لكفالة الطفل ، لذا فمن الافضل ان تهتم الدولة بهذه الدور وتوفر مقومات الحياة للاطفال ، وهناك نقطة قد لا يتم الانتباه اليها بصورة كبيرة وهي ان الطفل الذي ينشأ في كنف اسرة بديلة عندما يكبر تطرأ في ذهنه بعض التساؤلات حول وضعه الاجتماعي ومن هم اهله خاصة ان الاسرة الكافلة لا تستطيع ان تنسبه اليها ، لذا من الافضل لهذا الطفل ان ينشأ في دور الرعاية وتحت اشراف الدولة لان اقرانه يكونوا من نفس البيئة ولن يجرؤ احدهم على طرح هذا التساؤل على الطفل ، وهنا تكمن اهمية توفر الأخصائيين الاجتماعيين في تلك الدور لمعالجة هذه الناحية لدي الاطفال باكرآ ، كما ان الدولة باعتبارها جهة رسمية تستطيع ان تستقطب الدعم لهؤلاء الاطفال عكس الاسرة البديلة التي لا يتوفر لها سوى الدعم الشهري البسيط المقدم من الدولة ، وهناك مسائل عندما تصبح واقعآ يجب البحث عن الحلول الناجعة خاصة اننا في المجتمعات الشرقية لا نتقبل هذا الواقع على عكس المجتمعات الغربية التي تحتضن الطفل وينشأ على افضل وجه ، وفي السودان يترتب على ميلاد طفل خارج الاطار الشرعي في احيان كثيرة قتل  الطفل والام او نبذها مع العلم ان الاسلام نهى عن قتل النفس ، ونحن في حاجة لتصحيح المفاهيم والثقافة الخاطئة التي رسخت منذ الازل عدم قبول الطفل المولود خارج الاطار الشرعي ، كما ان المسار التربوي يحتاج الى تصحيح في النظرة الاجتماعية لهؤلاء باعتبار ان الطفل لا ذنب له . ويجب التسليم بان هؤلاء جزء من المجتمع والتصالح معهم لان لفظ المجتمع لهم يؤدي الى تولد حقد تجاهه وقد يكون نتاجه انفجار ثورة ضد المجتمع .

التعليقات مغلقة.