أمدرمان.. قصص مآسِ لأسر آثرت البقاء تحت لهيب الدانات!

0

 

أمدرمان: أمنية جمال

لم تكن صافرات الإنذار هي أول ما سمعوه، بل سمعوا صافرة “الدانة” التي أوشكت على الوقوع؛ رغم أن البعض لم يسمعها ، ولكنهم رأؤا الغبار الذي عم المكان وتناثر معه الزجاج فوق رؤوسهم، في لحظات تحولت البيوت الأوية والآمنة إلى بيوت رعب وخوف، الأسقف التي كانت تحمي من المطر والبرد والحر، آصبحت لا تحمي من الدانات والرصاص الطائش.

أسرٌ شتى وجدت نفسها في قلب حربٍ لم تخترها، وصارت تدفع فاتورة لم توقع عليها.

ثلاث سنوات من الحرب في السودان وما زالت مستمرة، وبين حالات النزوح والصمود؛ نتعرف في المساحة التالية على قصص العديد من الأسر التي صمدت في أمدرمان والثورات .

إلتقت صحيفة “نفاج نيوز” بالأخت (إسراء)، صاحبة متجر مواد تموينية بالحارة الخامسة التي صمدت في ظل هذه الحرب ولم تفارق مكان عملها بالرغم من التدوين المستمر على هذه المنطقة ،إلا أنها تحملت من أجل لقمة العيش، وقالت: في يوم صباح عادي إستيقظت السابعة صباحاً وقمت بالإستحمام وشرب الشاي ومن ثم ودعت أمي وأهل بيتي وخرجت تحفني دعوات أمي وجدتي لي بالحفظ وودائع الرحمن ، وتضيف وصلت إلى (دكاني)، سلمت على (عم حسن) (مكوجي) بقربي، وفتحت أقفال الدكان وبدأت بتهذيب المكان وترتيبه، بعدها خرجت إلى باب الدكان بعد أن سمعت صوت تدوين في مكان بعيد وسألت جاري (عم حسن سامع الناس ديل تاني قاموا يدونوا حسبي الله عليهم) وقبل أن يرد لي سمعنا صوت صافرة عالية للغاية ورأيت شي ضخم أسود يتجه نحوي، وفجأة وقع إرتطام قوي وحدثت معه هزة أرضية مفزعة وغبار ملاء أرجاء الدكان النظيف المرتب وتوالت الروائش تقع أمامي مثل السكاكين والخناجر  لونها أحمر وأسود ملتهبة مثل الجمر، وكنت في قمة خوفي وزعري، وجاء أبناء الحي للإطمئنان  علي فقلت: أنا بخير والدموع تملأ خداي، بعدها وجدنا أن الدانة سقطت في المسجد الذي يقع خلف دكاني مباشرة ، وعدت إلئ منزلي وأنا خائفة وارتعش من هول الصدمة ووجدت أهلي في انتظاري خائفين، ما أن رأؤني أجهشوا بالبكاء وحمدوا الله على سلامتي.

محطة المواصلات

وفي السياق إلتقينا بـ(الحجة علوية) بائعة الدقة لديها صينية في محطة المواصلات تبيع (الدكوة، الفول، الشطة،…الخ)، تحكي مأساتها ومكافحتها وسط الحرب والتدوين قائلة، كنت أخرج في وسط التدوين والرصاص من أجل كسب لقمة العيش ولأعول أولادي، وكان البيع ضعيف للغاية ،ت وتضيف في تمام الساعة التاسعة صباحاً خرجت وأنا أحمل (طبقي)، وصلت وجلست أمام طاحونة (…..) بعد أن ألقيت عليهم السلام وبين سائلاً ومشتري وفي منتصف اليوم وأنا أضع يدي على خدي سارحة في أمور معاش بيتي، سمعت صوت الصافرة الذي أعرفة جيداً وكان الصوت أت نحونا، وقبل التحرك من مكاني وقعت الدانة أمامي، دخلت إلى الطاحونة زحفاً على ركبتاي، وجسمي يرتعش خوفاً، بعد أن دخلت وإستوعبت أن ربي قد لطف بي ولم تنفجر الدانة والحمدلله، تقول بعد أن حملت أشيائي عدت إلى منزلي ووجدت بناتي يرتجفون خوفاً علي .

وتؤكد (الحاجة علوية) أن أيام الحرب كانت قاسية وعاشت خلالها كل أنواع (المرائر) وما لم يكن في الحسبان توفى فيها إبنها البالغ من العمر عشرين عاماً بعد أن ضربه أحدهم أثناء نقاش حاد على رأسه وتسبب له في قطع النخاع الشوكي، وتضيف بحسرة لندرة العلاج والكوادر الطبية في تلك الفترة وافته المنية بعد سنة من المعاناة والبحث عن الدواء والقصف والرصاص، والحمد لله على قضاء الله وأقداره أنا صابرة حامدة شاكرة لله على كل شي.

إصابة وفقدان

في غضون ذلك إلتقينا بـ(أحمد) ذو الخامسة عشر عام من عمره، وأول فرحة والديه، يحكي معاناته في إصابة ساقة بروائش القصف المدفعي وفقد أبيه الذي أعتقلته المليشيا الشهر الثاني من الحرب قائلاً: استيقظت في الصباح وأنا أسمع دوي المدافع وصوت الرصاص، وبدا أن هناك إشتباك ليس ببعيد من منطقتنا ولكن لم أركز على ذلك نسبة لتعودي على سماع تلك الأصوات، وكالعادة فتحت هاتفي على أمل أن أجد رسالة من أبي ليطمئن قلبي عليه، ولكن لم أجد منه أي أخبار، ويضيف لازلت أذكر تلك الأيام الجميله معه – تسيل دمعة حارقة على خديه -، ومضى للقول؛ بعدها نهضت من فراشي، إستحممت وصليت الصبح وشربت الشاي مع أمي وجدتي وأخوتي الصغار، ثم خرجت لأشتري مستلزمات المنزل أنا وإبن خالتي، وبينما كنا في الطريق سمعنا أصوات التدوين والرصاص ولكن لم نبالي، ذهب إبن خالتي ليشتري الخضار وأنا أشتريت مستلزماتي، وبينما كنت أتحدث مع الجزار سمعت صوت إنفصال مروحة الدانة الذي أعرفه جيداً فعلمت بأنها إقتربت منا، وبالفعل إرتطمت في أحد الشوارع القريبة مني، وقمت بالجري نحو (الفرن) ،لأشتري (الرغيف) وعندها وقعت دانة أخرى على بعد ثلاثة أمتار من مكان وقوفي، وهرع الناس بالصراخ والجري، وقبل أن أصل إلى داخل الفرن وقعت الدانة الثالثة وأحسست ببرود في قدمي ولم أستطع التحرك ووقعت بالقرب من الطريق الأسفلتي ودماي تملأ الأرض، جاء إبن خالتي مسرعاً نحوي لإنقاذي فوقعت الدانة الرابعة تركني وجرى خوفاً على حياته..، وانا أنظر إلى الموت من حولي رأيت سيدة مقطعة إلى أشلاء ومنزل إنهار وسمعت الصراخ والعويل، وبعدها أتى رجل مصاب في يده وساعدني على النهوض وأدخلني إلى منزل بالقرب من الطريق وربط جرحي حتى يتوقف النزيف، ولسوء حظي وقعت دانة في نفس المنزل الذي نتواجد به وإنهار المطبخ؛ ولكن لم يصب أحداً بأذى، ومن ذلك المنزل قاموا بإسعافي إلى مستشفى (النو)، وظهرت في صورة الأشعة ثلاثة روائش في فخذي، وأصيب عصب رئيسي، وتم إدخالي غرفة العمليات الصغيرة وأخرجوا رائش واحد، وأثنان كانا عميقين، وبعدها بدأت رحلة العلاج وأنا لا أستطيع تحريك قدمي أمشي (بعرج)، بعد ذلك إلتأم الجرح وما زالت الروائش داخل فخذي وزاد الوضع سوءاً، وخرجنا انا وأمي وأخوتي في رحلة تنقل لتلقي علاجي إلي أن وصل بنا الحال في دولة (مصر)، وأجريت لي عملية جراحية لإستخراج الروائش، وتلقيت الدلك الطبيعي لتستعيد قدمي قوتها على المشي والضغط، وفي تلك الفترة جأئنا خبر وفاة أبي في المعتقل الذي كنت أأمل أن يخرج منه سالماً، أحسست بكسرة في قلبي وعانيت من الإكتئاب على فقدانه، لكن أنا الأن بعد سنه من فقد والدي وسنتين من إصابتي، متفوق في دراستيوأحرز المرتبة الأولى في صفي، تعلمت ركوب الخيل لأتعلم منه الشجاعة والقوة، وها أنا اليوم بالرغم من إعاقتي الخفيفة في المشي أمتلك الشجاعة لأكمل دراستي  وأكون أباً لإخوتي الصغار وعوناً لأمي الصابرة المناضلة، علمتني الحياة أن لذتها في تخطي الصعاب وأجتياز الأزمات وتحمل الضغوط.

كانت تلك قصة أحمد الذي تعب نفسياً قبل أن يتعب جسدياً، وغيره كثيراً من الأطفال والأسر التي آثرت البقاء في أمدرمان تحت أزيز الطائرات وأصوات الدانات والمدافع؛ آملين في غد أفضل ينعم معه السودان بالخير والأمان والاستقرار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.