محمود الأزهري يكتب: تدهور الوضع الصحي في كسلا: علامات فشل مؤسسي وصمت إداري مقلق

29

 

تعيش ولاية كسلا اليوم مرحلة خطرة من تدهور الخدمات الصحية؛ مواطنون يواجهون صعوبة في الوصول إلى الرعاية الأساسية، ومستشفيات تعمل بعجز مستمر في الأدوية والمعدات، وبرامج الوقاية من الأمراض المتنقلة شبه متوقفة. هذا الواقع المؤلم لا يُعزى فقط إلى عوائق مالية أو لوجستية، بل يكشف عن قصور واضح في دور الجهات الحكومية المسؤولة، خاصة وزارة الصحة والسلطة المحلية.

من المهم الاعتراف أن بعض القيادات الإدارية سجلت إنجازات إدارية أو ظاهرية في ملفات أخرى؛ لكن هذا لا يبرر التقصير الحاد في الملف الصحي الذي يمس حياة الناس بشكل مباشر. فقد كان من المأمول أن تبقى الصحة العامة أولوية لا تفاوض عليها، لا سيما في ولاية تتعرض لمخاطر موسمية وبائية متكررة.

على سبيل المثال، كانت الولاة السابقون يعتمدون إجراءات وقائية عملية مثل “الـرش بالطائرات” لمكافحة النواقل في مواسم تكاثرها—إجراءات ربما مثّلت تكاليف مباشرة لكنها أنقذت أجيالاً من الأمراض والوفاة. بالمقابل، لاحظ المواطنون مؤخرًا عدم وجود خطط واضحة لعمليات مكافحـة واسعة النطاق، وعدم استثمار كافٍ في الحلول الميدانية البسيطة مثل صيانة وتوزيع الطلمبات والمعدات الأساسية لمكافحة البرك والمستنقعات التي تتكاثر فيها النواقل.

هذا الانحراف يعكس نموذجين من الفشل:

1. فشل التخطيط الوقائي: الوقاية الاقتصادية أقل كلفة بكثير من العلاج الطارئ—لكن غياب خطط منتظمة وممولة يجعلنا ندفع ثمن ذلك بحياة ومرض وفقدان إنتاجية. عدم التفكير في تشغيل الطلمبات أو صيانة محطات الرش دليل على ضعف فهم أولويات الصحة العامة لدى صانعي القرار.

2. ضعف التنسيق المؤسسي: وزارة الصحة في الولاية تبدو محدودة الصلاحيات أو الموارد، وقد تكون غارقة في بيروقراطية تمنع تحركًا سريعًا عند الخطر. كذلك غياب إشراك المجتمع المدني والمراكز الصحية المحلية في التخطيط يجعل الاستجابة بعيدة عن الواقع على الأرض.

 

المواطنون ليسوا فقط ضحايا نقص التمويل؛ هم ضحايا رؤية إدارية لا تتعامل مع الصحة كوضع طارئ يستوجب استنفارًا مستمرًا. المطلوب الآن أكثر من بيانات شكر على إنجازات هنا أو هناك—نريد خططًا عملية، شفافة، ومُسيّرة بنتائج قابلة للقياس: جدول زمني لصيانة وتشغيل الطلمبات، خطة رذاذ/رش متكاملة في مواسم التكاثر، تزويد المراكز الصحية بالأدوية الأساسية، حملات توعوية مجددة، وإشراك المجتمعات المحلية في المراقبة والوقاية.

وأخيرًا: إن استمرارية هذا التراجع تعني ثمنًا بشريًا باهظًا—زيادة حالات الأمراض، وفيات يمكن تجنبها، وتراجع ثقة الناس في مؤسسات حكمهم. إن الإشادة بالإنجازات لا تبرئ القصور في ملف الصحة؛ على القائمين على إدارة الولاية ووزارة الصحة أن يضعوا صحة الناس فوق الحسابات السياسية والاعتبارات الشكلية، وأن يتحلوا بالشجاعة لإصلاح المسار قبل أن يتحول الإهمال إلى كارثة لا تعيدها سنوات من التبريرات.

 

التعليقات مغلقة.