(2/3) دخلاء مهنة الصيدلة!
“دخلاء مهنة الصيدلة” ظاهرة منتشرة في الصيدليات يطلق عليهم الصيادلة إسم “الباعة”، هناك من ليس له مؤهل جامعي وبعضهم من غير التخصصات الطبية، وبعضهم من التخصصات الطبية غير الصيدلة .
العديد من أولئك الدخلاء ولجوا إلى مهنة الصيدلة عبر دراسة كورسات قصيرة بمعاهد مختصة بهذا الشأن تعمل على منح الدارس شهادة تعرف بأنه يمكن أن يمارس المهنة، ولكن هل تكفي هذه الكورسات بأن تجعل الدارس كفؤً بممارسة مهنة تدرس لمدة خمسة سنوات بالجامعات؟، تلك الكورسات مختصة أصلاً بمساعدي الصيادلة لآداء المهام الموكلة إليهم في الصيدلية، ولكن في الآونة الأخيرة إنتشرت ظاهرة خطيرة في ظل ضعف الرقابة على الصيدليات من قبل الجهات المعنية وهي تعدي أصحاب الكورسات على العمل المناط به الصيدلي المسجل بالمجلس الطبي السوداني فتعالت الفوضى وأصبح دارسي الكورسات يعملون على صرف الأدوية والعقاقير دون روشتات لعدم إدراكهم لخطورة الأمر ودون وضمير وأخلاقيات مهنية لأنهم يهدفون للربح فقط ولا تهمهم سلامة المريض، لذا أضحى من اللازم التحرك الفوري لتلافيها ومعالجة تلك المشكلة، لسلامة المواطن السوداني وضمان حقوق الصيادلة من الاستلاب الذي يواجهونه من ملاك الصيدليات.
وفي ظل الإنتشار الواسع لأصحاب الكورسات العاملين بالصيدليات تعالى السخط بين خريجي الصيدلة أصحاب التخصص من عدم أهلية أصحاب الكورسات وقلة معرفتهم وخبراتهم، فمنهم من يرى أنهم يشكلون خطرا على خريجي الصيدلة، ويأثرون سلبا على الانطباع العام لدى الصيادلة حديثي التخرج، ومنهم من يرى أنه لا حرج في مزاولتهم المهنة كصيدلي مساعد مع وجود دكتور صيدلي .
ولإلقاء المزيد من الضوء على هذه القضية الشائكة “التيار” أجرت التحقيق التالي مع عدد من الجهات المختصة والصيادلة لمعرفة رؤاهم حول هذه القضية.
تحقيق: وفاء محمد آدم
مصدر خطر
في غضون ذلك يقول الصيدلي بولاية دارفور ياسر الزين منصور إن أصحاب الكورسات ليسو صيادلة مساعدين وإنما متغولين على مهنة الصيدلة فيجب ألا نطلق عليهم لفظ “صيادلة” لأن الصيدلي هو من تم تسجيله في المجلس الطبي بهذه الصفة، ويضيف أنهم مصدر خطر على الصيادلة بسبب الأخطاء الكارثية التي يرتكبونها في عملية صرف الدواء والتي قد تؤدي إلى وفاة المريض مما يهز الثقة بين المريض والصيدلي فيما بعد، ويوضح ياسر درجة خطورتهم المتمثلة في عدم معرفتهم بالتداخلات بين الأدوية وبين الأدوية والأغذية مما يؤثر سلبا على المردود من استعمال الدواء وحدوث مضاعفات خطيره للمريض تبعا لذلك ، بالإضافة إلى تضييق فرص العمل لأصحاب المهنة.
جهل وأرباح
ويوضح الصيدلي ياسر في حديثه لـ”التيار” أن تأثير أصحاب الكورسات على الصيادلة و المريض؛ بالنسبة للصيادلة المسجلين يكمن في إنخفاض جودة الخدمة المقدمة من الصيدلية وبالتالي فقدان الثقة من قبل المواطن العادي بجانب إنخفاض المبيعات إلى حد كبير، ويضيف أن تحمل التبعات القانونية للأخطاء المرتكبة من جانب المتغول “صاحب الكورس” على مهنة الصيدلة والصيادلة “لولا تسامح المجتمع السوداني هناك كثير من الأخطاء تستدعي المحاسبة عبر القضاء”، ويؤكد تأثيرهم السلبي على المريض بصرف الأدوية دون مراعاة لأخلاقيات المهنة واللوائح والقوانين المنظمة للعمل الصيدلي لجهلهم بها أو إحساسهم بأنهم غير معنيين بذلك، وفي عدم إحالة الحالات التي تستدعي الفحص الطبي للطبيب والإكتفاء بصرف الأدوية للمريض بغرض تحقيق الأرباح. ويوضح أن تعيينهم بالصيدليات يتم بسبب ضعف تكاليف عملهم مقارنة بالصيدلي المسجل بجانب صرف الأدوية دون وازع لتحقيق مكاسب وأرباح لمالك الصيدلية.
تردي عام
ويضيف ياسر في حديثه لـ”التيار”أن الرقابة على الصيدليات جزء من دولاب العمل الحكومي في مجال الصحة وما نشهده من تردي عام في أحوال البلاد وضعف الميزانية لهذا القطاع المهم حال دون تحقيق الرقابة اللآزمة على الصيدليات، ويشير إلى أن ضعف فروع المجلس القومي للأدوية والسموم بالولايات على وجه الخصوص الفرع به صيدلي واحد وسيارة واحدة بدون مكتب أو فريق عمل أو ميزانية مخصصة لذلك العمل. ويؤكد على ضرورة تقوية فروع المجلس بالولايات ليصبح لديها مكاتب لتفعيل الرقابة على الصيدليات على أكمل وجه وتوفير عدد كافي من السيارات وميزانية للوقود والنثريات بجانب التحفيز؛ ويؤكد على ضرورة تخصيص صيادلة على مستوى المحليات للعمل الرقابي بجانب تعاون الأجهزة الأمنية مع الرقابة الدوائية في الولايات التي توجد بها مهددات أمنية وضرورة أن تكون رئاسة فريق التفتيش لدى الجهة المختصة (فروع المجلس).
معرفة سطحية
وتقول الصيدلانية خريجة جامعة أم درمان الإسلامية تعمل مساعد تدريس بذات الجامعة مودة عثمان محمد، إن صاحب الكورس عند دراسته يأخذ أشياء سطحية ويدعى أنه صيدلي، أما نخن الصيادلة أصحاب التخصص ندرس 5 سنوات عن وظائف الأعضاء، علم الأمراض ثم العلاج ومن ثم التداخلات بين الأدوية والتداخلات بين الدواء والمرض لأن هناك أدوية لا تصرف مع بعضها لأنها قد تحدث آثار جانبية أو تزيد السمية في الجسم، وهناك أدوية عند صرفها يمنع تناول أطعمة معينة معها لتلافي الآثار الجانبية، وتوجد حالات تتطلب من المريض الرجوع إلى المشفى وعمل فحوصات، كل هذا ندرسه خلال سنواتنا الخمس، أما صاحب الكورس فخلال الكورس يتعلمون أنواع الأدوية ضغط سكر وغيره بدون إعتمادية على أي شئ لأنه توجد احتماليه وجود مرض آخر عند المريض ولا يمكنه أخذ دوائين مع بعضهما، وتضيف أن صاحب الكورس يتعلم إسم الدواء فقط ويقف في الصيدلية فلا يمكن للمريض معرفة صاحب التخصص من غيره فيفقد المريض الثقة في الصيادلة عموما عندما يأخذ دواءا خاطئا أو غير مناسب لحالته، تصبح لديه قناعة خاطئة أن الصيادلة لا يصلحون لشئ ويبدأ في الذهاب للمشفى فقط مع العلم أن هناك أمراض قد تعالج في الصيدلية يعلمها الصيدلي المسجل لأنه درسها ويعلم أعراضها وأدويتها ويعلم متى يرجع الحالة للمشفى.
ثقة وكيان
وتضيف أن صاحب الكورس خطر لأن بسبب خطأ بسيط منه لأنه لا يعلم وظائف الأعضاء ولا يعلم كيف تحدث الأمراض ولا كيفية العلاج ولا يعلم المادة الفعالة في الدواء وكيفية تأثيرها وتداخلها مع أدوية أخرى، بالتالي يفقد المريض ثقته في كل الصيادلة، لان صاحب الكورس لا يعلم أي شي عن الدواء غير إسمه فتحدث الأخطاء الدوائية التي يمكن أن تتسبب له بعاهة مستديمة وقد تؤدي بحياة المريض وفي آخر الأمر يتم التحدث بإسم كل الصيادلة بدون تخصيص وتفرقة بين الصيدلي المسجل والمساعد فيعمم الأمر ويفقد المريض ثقته في كيان الصيدلة، بجانب مزاحمتهم لأصحاب التخصص في عملهم.
دخل محدود
وتضيف مودة في الماضي كانت الصيدليات قليلة وكان أصحاب الكورسات لا يعملون إلا في وجود صيدلي مسجل والإيرادات عالية، أما الآن فعدد الصيدليات كبير ومعظم دخل الصيدليات محدود فلا يستطيع المالك أن يعطي راتب مناسب للصيدلي المسجل لذا يلجأ لصاحب الكورس ليعطيه راتبا زهيد، وتوضح أن الصيدلي المتخصص يدرس أخلاقيات المهنة التي تجعله يعمل بضمير وصرف الدواء بحكمة عند اللزوم أما صاحب الكورس فيصرف أي شئ لقلة علمه بتأثير الدواء على المريض الماثل أمامه فيصبح إيراد صاحب الكورس أعلى من صاحب التخصص، مما يجعل صاحب الصيدلية يقف ويفكر أن الصيدلي المتخصص إيراده ضعيف لأنه يعمل بأخلاقيات على عكس صاحب الكورس يصرف فقط بدون ضوابط وأخلاق فيجعل مالك الصيدلية سعيدا لأنه يدخل إيرادات عالية للصيدلية ويغيب عن المالك أن صاحب الكورس يعمل بدون أخلاق.
جهل وتهور
وتؤكد مودة أن صرف الأدوية يجب ان يكون بروشتة وبالأخص المضادات الحيوية الصادرة من الطبيب بعد عمل الفحوصات اللآزمة وهناك جهات تطلب من المريض “التزريع” لمعرفة نوع البكتريا لتلقي المضاد الحيوي المناسب، لأنه في الآونة الأخيرة أصبح صرف المضادات الحيوية بكثرة وعشوائية من غير معرفة نوع البكتريا، يذهب المريض للصيدلية ويشرح أعراضه ويصر على أخذ المضاد الحيوي وتقول أن المريض يمثل مصدرا للضغط على الصيدلي لذا إنتشرت الفوضى وقل الضبط على المصروفات، وفي صندوق المضاد الحيوي يكتب يصرف بوصفة طبية لذا لا يوجد هناك أي معنى لصرفه بدون روشتة لأنه سيدخل المريض في طور مقاومة المضادات الحيوية، وعندما تحدث تلك المقاومة تصبح كل المضادات التي بالصيدلية لايمكن أن تعالج المريض بمعنى عندما يأخذ المريض مضادا ب500جنية، وتحدث مقاومة للمضادات داخل جسمه يضحي يحتاج مضادا ب5 ألف جنيه لأجل مرض بسيط وكلما تذداد الحاجة للمضاد في ظل وجود المقاومة تصبح الاستجابه له ضعيفة إلى أن يصل به الحد لعدم استجابة المريض للمضادات الحيوية يصبح الأمر معقدا لأن المريض سيحتاج إلى جرع أكبر من الموجودة في الصيدليات لذا لا بد من تصنيع أخرى جديدة، وبالتالي تصنيع جديد يعني تكلفة أعلى وقد لا يملك المريض تلك التكلفة ويموت جراء الكارثة المفتعلة بسبب جهله وتهوره، وتشير إلى أنها تناشد كل الصيادلة المزاولين للمهنة بعدم التهاون في صرف تلك المضادات إلا بعد إجراء الفحوصات والتأكد من العدوى والبكتريا لأن أعراض الأمراض تتشابه غالبا فمثلا العدوى الفايروسية والبكتيرية تتشابه من ناحية الحمى وذلك لا يعني أن جميعها تحتاج إلى مضاد.
وتضيف مودة أن أدوية الأمراض النفسية التي يستخدمها الشباب كمخدر”خرشا” لها روشتة خاصة بلون مختلف “لون أخضر” لذا يجب أن تصدر من أخصائي أمراض نفسية بختم وتاريخ جديد لصرف الدواء، وتقول من يصرفها بدون روشتة هدفه رفع إيرادات الصيدلية ولا يهمه المريض ولا الآثار الجانبية لتناوله همه المكسب فقط، لذا أصبح هناك فوضى في صرفها لأن الأدوية متاحة في الصيدليات في أي وقت فيصرف بدون وعي دوائي لذا لا بد من حسهما، وتقع المسؤولية على الصيدلي إذا أخذ موقفا جادا وحاسما بعدم صرفها إلا بنتيجة تحاليل ويجعله يدرك خطورة الأمر ليعرض عنها ويجري الفحص الطبي لأنهم أدوا القسم على ذلك، وتوضح أنه لا بد من وجود هيكل يحمي حقوق الصيدلي والمريض على حد سواء ونقابة لتوزيع الصيادلة في الصيدليات، وإقامة ورش لتوسيع مفهوم الدواء للصيدلي ليكون في تطور مستمر، وتضيف مودة في حديثها ل”التيار”أن الأطباء يساعدون في تلك الموضى فمثلا عندما يكون للمريض قريب أو معارف من الأطباء يذهب إليه ليكتب له وصفه وهمية ليصرف بها المضاد وتلك الأدوية، أو يأتي المريض للصيدلية ويتصل لطبيبه فيخبر الصيدلي بصرف الدواء له، فالاطباء لا يساعدون في حصر تلك الكارثه بجانب الصيدلي الذي يبيع بدون ضمير، لذا يجب التعاون وجعل مصلحة المريض هي الأهم، وتوعية المريض بخطورة صرف المضادات وأدوية الأمراض النفسية بدون روشتات وطريقة الاستعمال الصحيح لها.
شهادات وضغط
وتقول مودة في حديثها لـ”التيار” إن الصيدلي المسجل درس تخصصه لمدة 5 سنوات يطلب راتبا مناسبا مع علمه ومعرفته، أما صاحب الكورس فيتعرض للضغط من قبل مالك الصيدلية لأنه لا يملك شهادة لذا يضطر للقبول بأي راتب فيرضى صاحب الكورس لأن لا خيار له، أما صاحب التخصص لديه خيارات أخرى من مصانع وشركات ومعامل ومستشفيات.
مهنة إنسانية
وتوضح أنه في الآونة الأخيرة توجد رقابة لكن ليس بالصورة المطلوبة لذا يجب على وزارة الصحة تشديد الرقابة على الصيدليات وعدم السماح بالعمل فيها إلا بشهادات معتمدة لتسجيل تمهيدي أو دائم، من ثم يجب على الصيادلة التكاتف وجعل همهم الأول هو المريض وسلامته بجانب مراقبة المريض لنفسه لأن الصيدلة في البدء هي مهنة إنسانية إذا لم يراعي المالك مراقبة الله له سيوظف أصحاب الكورسات عوضا عن الصيادلة المتخصصين، لذا يجب توظيف صيدلي التخصص فقط وسن قوانين صارمة له حتى لا يخل بأخلاقيات المهنة وكيانها.
وتوضح مودة أنها كمساعد تدريس بالنسبة للجيل الجديد يدرسونهم كيفية التعامل في الصيدليات وكيفية التعامل مع الروشتة في حال وجود خطأ بها أو خلل، بجانب حملات توعية للمجتمع عموما والكادر الطبي على وجه الخصوص في مواضيع مختلفة منها “الروشتة المثالية” وتعني ماذا يجب أن يراعي الطبيب عند كتابته للروشته.
تعليم مبدئي
في السياق تقول صيدلانية بصيدلية أمل مستشفى المنورة في أبوآدم نبراس عبدالخالق علي، أن صيادلة ال 3 أشهر يتعلمون طريقة الصرف وكيف يقرأون الروشة وكيف يصرفونها فقط،لا يتعلمون أي شئ عن الدواء وطبيعته، لا يمتلكون أي مهارات عن التفاعلات الدوائية، أو تداخلات الأدوية مع الأغذية أو الحمل وأصحاب الأمراض المزمنة، فلا يعلمون مصلحة المريض ويتسببون بالضرر لصاحب الصيدلية.
مسألة مؤلمة
وتوضح أن صرف الدواء وخصوصا المضادات الحيوية بدون روشتة مسألة مؤلمة جدا بالنسبة لها لأنها تقع فيها فئات المجتمع المسكينة لأنهم لا يعلمون خطرها فعندما يشعر المريض يوعكة قد تكون خفيفة يذهب للصيدلية ويأخذ أقوى مضاد حيوي ولا يدري خطورة الأمر فيقع فيها أغلب فئات المجتمع90%منهم، أما بالنسبة للأدوية الخاصة بالأمراض النفسية فتمثل10%وتؤكد أنه في حال تشديد القوانين والرقابة على الصيدليات ستحل المشكلة، أما المضادات الحيوية فهي مشكلة مريض ومشكلة أطباء.

التعليقات مغلقة.