السودان.. متعاطو الآيس.. مآسٍ وحكايات صادمة (الحلقة الثانية)
عتبر مخدِّر الآيس الذي انتشر في البلاد بشدة مؤخراً من أخطر أنواع المخدرات الكيميائية التي ظهرت في عالم الجريمة في الفترة الأخيرة، وتكمن خطورة الآيس في أن إدمانه لايحتاج إلى تعوُّد أو كثير وقت، لجهة أن مستخدمه يصبح مدمناً منذ الجرعة الأولى ويكون خطراً على نفسه ومجتمعه، ولا يخفى على الكثيرين الجرائم الشنيعة التي نقرأ عنها كل يوم بسبب الآيس، آخرها كان في خواتيم شهر يناير، عندما فجعت مدينة أم درمان بقتل مدمن لزوجته وابنه بصورة بشعة لايمكن أن يتصوَّر أحد إنها يمكن أن تصدر من رب أسرة لأفراد بيته وفلذات كبده ولكن! هو “الايس”.
(التيار) في سلسلة الحلقات التالية حاولت أن تسلِّط الضوء على القضية بشكل مختلف باستنطاق عدد من ضحايا المخدر “الشيطاني” حتى يقف الجميع على تجاربهم ويقفون على خطورة هذا السرطان اللعين الذي غزا الجامعات والمدارس، وقبل البدء في النشر نفيد بأننا وجدنا صعوبة كبيرة في الحصول على المعلومات ومراكز الإدمان، ولكن بالجهد والبحث والصبر وجدنا عدداً من مراكز معالجة الإدمان الحكومية والخاصة المتمثلة في مستشفى التيجاني الماحي ومستشفى كوبر للأمراض النفسية ومراكز خاصة أخرى، وبجهد مشترك مع الأطباء استطعنا إقناع عدد من المتعاطين بالحديث للصحيفة من باب النصح للآخرين، ونشير إلى إننا وجدنا نسبة التردد على المراكز والمستشفيات للعلاج من التعاطي عالية جداً من فئتي الأولاد والبنات للأعمار مابين 18- 30 عاماً، كما أن معظم هذه المراكز والمستشفيات مكتظة بالمنوَّمين لدرجة إنه لاتوجد أسرِّة للراغبين الجدد في العلاج بسبب ارتفاع نسبة المتعاطين وقلة المعالجين، فضلاً عن ارتفاع قيمة العلاج إذ تبلغ 40 ألف، للمراكز الخاصة و25 ألف، للحكومي في اليوم الواحد.
تحقيق: عبدالله ود الشريف
في الحلقة السابقة كانت “م،و” طالبت الطب تتحدث عن تجربتها في الادمان وكيف ان زميلات الداخلية أوصلنها الى هذه المرحلة الى ان شعرت باعياء شديد ذات يوم وذهبت الى الطبيب الذي ابلغها بخبر فاجئها…. نواصل.
حيث أخبرها الطبيب ان الفحص أوضح أن جسمها مشبع بالمخدرات وانها مصابة بفايروس الكبد الوبائي إلا انها عادت واستنجدت باسرتها للعلاج ولازالت تواصل في جلسات العلاج وقبل ان تكمل حديثها بدات دموعها في الانهمار وهي تردد انها فقدت كل شي حتى الحلم الذي كانت تحلم به ان تصير طبيبة واكدت انها حاولت الانتحار كثيرا بيد انها لم تفلح في ذلك بسبب تدخل الاسرة في احتوائها ودعمها نفسياً وقالت “حسبي الله ونعم الوكيل” في من أدخلني لهذا الطريق وكشفت ان الأيس اصبح منتشر بكثرة في الداخليات والجامعات ولايحتاج الى كثير عناء للحصول عليه ،وارسلت رسالة تحذيرية لكل من يسكنون بالداخليات بضرورة تجنب أصدقاء السؤ واكدت ان اسرتها ابلغت الشرطة بمن ادخلوها في هذا الطريق من زميلات الداخلية.
الطبقات المتعلمة
“التيار” من خلال تجوالها للحصول على معلومات هذا التحقيق وقفت على نسب التعاطي وسط الشباب ومن خلال البحث المتواصل وسط ضحايا المخدرات خاصة “مخدر الأيس” وجدنا ان معظم المتعاطين من الفئآت العمرية مابين 20 إلى 30 عام وتتفوق أعداد الإناث على البنين في التعاطي ولاحظت “التيار” أن معظم الفئات من الطبقة المتعلمة.
طلاق وإدمان
ضحيتنا التالية أدمنت جميع أنواع المخدرات وختمتها بالأيس حيث تقول “ت، ص” كنت متزوجة ومستقرة مع اسرتي ولدي طفلة واحده ولكن ولجت عالم المخدرات من أوسع الأبواب بعد ان تخلى عني زوجي وتركني رغم أنني خسرت اهلي من اجل اكمال زواجنا، وبعد ان تركني وذهل أصبحت أعمل في الأعمال الهامشية حيث اصبحت فريسة سهلة من اجل الصرف على ابنتي واستأجرت شقة واصبحت ادمن الرجال وممارسة العلاقات؛ صرت محطمة ولايهمني أي شي من اجل كسب الأموال، ثم عملت في احد الكافيهات في مجال السيرفس بوردية ليلية تبدا من الساعة السادسة مساء وحتى الخامسة صباحاً ، وهنا بدات رحلتي مع استخدام الشيشة و البنقو والكوكسن وجميع الحبوب لمدة ثلاث سنوات ، في تلك الفترة كنت دائما خارج الشبكة، تعرفت على عدد من الشباب والفتيات من خلال عملي، كانوا الملاذ الآمن بالنسبة لي حيث اجد عندهم ما فقدته من الاسرة وطليقي الذي تركني ، وكانت تتحدث يحرقه وهي تحكي بانها بدات تتدرج في الإدمان حتى وصلت إلى مرحلة تعاطي الأيس لكن للاسف بمساعدة الشخص الذي تكفل بمساعدتها ودفع اجار الشقة.
فقدان الأمومة
تضيف “ت،ص” بدات عملية تعاطي الايس كبداية في العام السابق تقول أوقفني ذلك الشخص عن العمل واستغل ادماني واستخدمني لمصلحته في نظام القعدات مع الشباب والشابات وواصلت في رحلة العذاب والإدمان حتى فقدت طفلتي ونسيت ان لي طفلة وانني أمها وواصلت حديثها، دق ناقوس الخطر بينما انا اتجول في المنطقة التي اسكن بها في احد المولات ظهر افراد من اسرتي وقاموا بضربي وإرغامي بالصعود علي عربة يقودها شقيقي جاؤ ا بي الى مركز لعلاج الإدمان ولدي الأن اكثر من شهر اتلقى ولازلت حتى الان اعاني من الاضطراب والهلوسة وفقدان الشهية وتساقط الشعر، نعم سكة الإدمان صعبة ولكن الاصعب الحرمان والخيانة، إلى ذلك رفضت “ت،ص” الاجابة على سوالي هل هي على قناعة بعدم الرجوع للايس مرة اخرى .. وانصرفت من امامي بسرعة ورفضت هذا الحديث.
أقرب الأقربين
يسرد “م م” حكايته مع التعاطي ويقول، دخولي عالم المخدرات والادمان كان منذ العام 2011 ثم تمرحلت في استخدام الحشيش 13 عاما ثم دخلت عالم الايس من خلال زيارة الى ابن عمي الدي كان بدولة الصين حيث وجدت هذه المادة بحوزته ومن باب الفضول دخلت في اول جرعة عندما كنت اتعاطي الحشيش لم اجد صعوبة في التعامل مع المجتمع والاسرة والعمل ولكن عندما بدا تعاطي الايس اختلف الامر حيث فقدت اسرتي وساءة العلاقة وفقدت عملي ويقول ” م،م” بان الادمان عموما خطر يصعب الاشياء والشخص المدمن لايكون له هدف واضح وهو طريق للموت السريع والانتحار وانت لا تستطيع ان ترى وتشاهد ما يحدث لك ولكن الإحساس الدي ينتابني صعب لا استطيع ان احكيه وكنت عندما اتعاطي الايس ينخر في جسدي بالداخل أنهى لي كبدي وأصبت بالتهاب في الدم ودوران في الراس والهلاويس ووقعت في مشاكل صحية كثيرة وخطيرة واجهتني “ما تحاول تغش نفسك شديد وانا كنت غاشي نفسي هو مخدر شيطاني كفاية موت كفاية امراض ما تحاول تجرب ابعد من المخدرات ” فضولي اوصلني للمرحلة التي انا فيها الان اصبحت مدمن واعاني الامرين والادمان من اول جرعه يجعل شهوتك عالية للمواصلة ” ويضيف “ما بقدر اقيف انا عايز علي طول والحالة دي بتجيك من جوه اعماقك وعندما لا اجد الجرعة كنت اكون غير راضي عني نفسي حتي اجد الجرعه وهي متوفرة يكثرة في كل مكان فضلا من انها تباع بالجرامات معدل الجرام كان في السابق بـ 15 الف جنيهو اصبح الان ب25 الف حنيه الايس هو سلاح حقيقي لتدمير الشباب مثل الكورونا والمدفع والطلقة وبدات جهات في استخدمه ضد الشباب والكل يعلم ذلك”.
استراحة الضحايا
بعد ذلك تجولت وسط ضحايا الايس ووصلت الاستراحة وجلست في وسطهم تحدثت معهم وعرفتهم على شخصي ومهمتي الصحفية ودورهم بالمساهمة في التوعية وارسال رسائل عبر تجاربهم وجدت ترحيب كبير وسط الضحايا قضيت ساعتين كانت من اثمن ساعاتي من خلال الاستماع لهم ولحكاياتهم وطريقة تفكيرهم وان اغلبهم من طلاب الجامعات، و تحسرت على انخراط هؤلا الشباب في التعاطي والادمان .بدلاً من الجلوس والانخراط وسط العلوم في قاعات الدراسة.
بنقو وآيس
عند توقفنا امام مركز نقاء للطب النفسي وعلاج الادمان وقفت سيارة امام الباب نزل منها شاب في الثلاثين من عمره وبصحبته ابنته وزوجته قلت في نفسي بان هؤلا اسرة احد المرضى .. رد علي السلام ثم دخل المركز وبعد مدة قصيرة وانا اسجل مع بعض الضحايا جا ء ذلك الشاب وقال لي يمكن ان احكي عن تجربتي وان اكون جزء من توعية المجتمع اندهشت جدا لهذا السلوك الجميل قلت له كنت ابحث عن شخص مثلك .
قال لي انا “م، أ ” متعافي ولكن لدي قصة مهمة وتجربة اقوى قد تفيد المجتمع، قال لي كنت مدمن منذ عام 2005 حيث بدات استخدم الحبوب في بداية الامر ثم في العام 2017 اصبحت استخدم الحشيش والكبسولات وفي العام 20018 بدأت في استخدام الأيس عن طريق الحقن الوريدي، كنت محكوم بتوجيه الايس لانه المسيطر في كل شي، هنا لكي اعترف واكفر عن كل خطئي عبركم ارسل رسائل حيث ان اثرت المخدرات في عقلي بطريقة كبيرة وفقدت اقرب الناس لي، كنت ارى مخلوقات عجيبة وغريبة من خلال الحقن، وتأتي اصوات وتكلمك لا تستظيع ان تميزها حيث يحدث لي تهيآت بان الكل ضدي وانهم مشكلة بالنسبة لي وجرعة الإدمان مرهقة ومكلفة جدا ماليا دائما اكون محتاج لجرعة ويمكن ان اسرق و انهب من أجل الحصول على الجرعة . وهو يسرد قصته قال لي ذات يوم اتصل بي صديق قال لي “عندي بنقو عايز اقطعوا عندك وانا عرفت انك موجود لوحدك فقلت له تعال” وبالفعل جاء .. لم تمر لحظة والا صديقي ” ع” بدا يتصل على اشخاص لحضورهم الي شقتي وحضر كمية كبيرة من الشباب جزء منهم اعرفهم واخرين لم اعرفهم وبينما كنا نتعاطى في الحشيش والايس جائتني تهيوآت بان هناك خطر قادم على اسرتي فقمت بطريقة هستيرية واغلقت المنزل بطريقة جنونية بالاثاث والمفاتيح هنا لاحظت الاسرة ان ابنهم وصل مرحلة الخطر على الفور اصطحبتني اسرتي الي مركز العلاج من الادمان الدي مكثت به شهر اً كاملا ولازلت اراجع نفسي وازور المركز للدعم مع زوجتي .. نعم كنت اتخوف على زوجتي وابنتي من نفسي وهي ساعدتني وصبرت علي في العلاج،ويقول ما يحدث الان من ادمان كبير وسط الشباب؛ يرجع العامل فيه الي عدم مراقبة الابناء في طور المراهقة ومتابعتهم والحالة الاقتصادية والعطالة سبب رئيسي كما اضاف بانه ترك اصحابه والشلة التي كان يتعاطي معها المخدرات وقرر ان لا يعود مرة اخرى وان يكون اب صالح للاسرته الصغيرة .
تفاقم المشكلة
في غضون ذلك يقول استشاري الطب النفسي وعلاج الادمان الذي عمل في دول عربية واوروبية، ويعمل الان في مستشفى عبدالعال الادريسي كوبر للامراض العقلية ومستشفي التجاني الماحي في قسم الادمان، بروفيسور مجذوب محمد علي، انتشرت في الاونة الاخيرة بالبلاد ظاهرة الايس بل وهي تحدي ومشكلة صحية كبيرة ويضيف مجذوب بان المشكلة هو مرض ولا بد من اختيار المصطلحات الصحيحة في تقديم الوعي وان هناك فرق بين التعاطي والادمان وعندما تخلط الاشياء يصعب تشخيصها وانا اقول بشكل علمي بان الكشف المبكر والتدخل العلاجي المؤهل للمريض جزء من الحل وهنا في السودان تتفاقم المشكلة علي حسب الظروف والعوامل لارتفاع نسبة المتعاطين والمدمنين بشكل كبير، كثر الحديث عنهم وهنا نقول ان لم توجد مادة الايس لن يكون هناك عملية ادمان من الاصل والمسؤولية في ايقاف تدفق هذه المادة تقع على عاتق الدولة ومكافتحها ، وعندما نتحدث عن الجهات الطبية والكشف المبكر يوجد علاج حقيقي للايس ونسبة الإدمان ليست ظاهرة ولا سلوك بل هو مرض يصيب الدماغ ويسبب مشكلة مثله ومثل الامراض المزمنة الاخرى وهو مرض كثير الانتكاسة وهناك صعوبات وتحدي في الحصول علي العلاجات المؤهلة لعدم توفر المؤسسات العلاجية المؤهلة في عملية معالجة الادمان والاعداد الموجودة من المراكز غير كافية لدرجة ان بعض الأسر التي تحتاج لخدمة العلاج اصطدموا بالتكلفة العالية .
الفحص الدوري
ويضيف هناك علامات تظهر علي مريض مخدرات الايس ولدي مرضى اتابعهم شخصيا ومسؤول عن حالتهم اصيبوا بمشكال كبيرة في القلب وإلتهاب الكبد الويائي من خلال استعمال الحقن الوريدي وربما يصابوا بامراض اخرى مثل الايدز وهناك محور مهم في الوقاية أن تحدد ماذا تريد وكيف توقف هدا المخدر هنا لابد من اشراك الاسر والاعلام في التوعية ومكافحته والفحص الدوري ، ومريض الايس والمخدرات يحتاج الى فترات طويلة وعلى المتعاطي ان يحذر لان مخدر الايس شرس وسريع الادمان يؤدي لحدوث تغيرات في الدماغ والسلوك نشاهده يوميا ويؤدي الى استخدام العنف ضد الممتلكات والانسان والاسرة،و مريض الايس يلجأ الي السرقة والقتل وعمليات النهب والسلب وهناك جرائم كثيرة مسجلة في دفاتر الشرطة ولا بد من التعامل مع اسباب التعاطي اولا خاصة وان هناك اقبال كبير وزيادة في التعاطي عبر الوريد وأغلب متعاطي الايس دائما يكونون مدمنين لمخدرات اخرى، نعم هناك ازدياد كبير وهذا ينذر بكارثة ويدق ناقوس الخطر ورسالتي لابنائي وبناتي عليكم بالمحافظة على عقولكم ولا بد للاسر أن تتقرب من أبنائها وتقدم لهم الدعم النفسي واكثر الشباب المدمنين يقولون مافي موضوع، راقب ابنك وابنتك ان حدث لهم اي تغييرات في الصحة او النوم الكثير او عدم النوم العنف والسلوكيات لابد من الكشف المبكر عليهم .

التعليقات مغلقة.