الخرطوم: نفاج نيوز
الطرفة أو القصة الأولى سمعتها وأنا طفل، كانت تحكيها حبوبتي “جدتي” زينب، وربما كان المقصد الرئيسي منها إخافتي إلى حد ما حتى أترك الشغب الليلي، وأتلم على نفسي قبل الذهاب إلى النوم، بعد تطميني بلميون حضن وقبلة.
تقول القصة: مات رجل قبل أيام قلائل من عيد الأضحى المبارك. كان له زوجة وأطفال، وزريبة صغيرة يوجد بداخلها خروف متوسط الحجم، مع عدة أغنام لتوفير الحليب للأطفال. اشترى الرجل الخروف استعدادًا لعيد الأضحى، لكنه مات وترك أطفاله أيتامًا ومساكين.
منذ طفولتي وإلى هذه اللحظة لا يمكن أن يأتي عيد الأضحى دون أن أتذكر قصة “البعاتي” الذي هب لنجدة أطفاله
وتقول القصة: في ليلة يوم العيد، تسلل لص إلى زريية الأطفال الأيتام. كان هدفه واضحًا، اتجه مباشرة إلى “خروف العيد”، فك حباله وحمله على كتفيه، واستدار ليخرج، لكنه فوجئ بالرجل صاحب الخروف يقف أمامه، وقد تحول إلى “بعاتي” بعد أن عاد من الموت، تخرج منه أصوات مخيفة وتشع من عينيه المحمرتين نظرات كالنار.
في هذه المرحلة من الحكاية يبدأ فاصل الرعب الطفولي، إذ تبدأ جدتي بتقليد صوت “البعاتي” وهو يأمر اللص بوضع الخروف على الأرض من ثم حمله مرة أخرى، في تكرار صوتي مفزع إلى أن تشرق الشمس: “شيلو، ختو، شيلو، ختو، شيلو، ختو”، ويعني أرفعه على ظهرك، ضعه في الأرض.. وهكذا إلى أن يأتي أهل المنطقة في الصباح ويضبطون الحرامي متلبسا بالجرم، وينقذون خروف الأيتام.
أؤكد الآن، قبل الانتقال للقصة الثانية، أنه ومنذ طفولتي وإلى هذه اللحظة لا يمكن أن يمر عيد الأضحى المبارك دون أن أتذكر قصة “البعاتي” الذي هب لنجدة أطفاله – في حياته السابقة – وأنقذ خروفهم من الضياع والسرقة.
حلوف العيد
الحكاية الثانية طريفة وذات بعد إنساني لطيف، وتحكي عن رجل فقير، له مجموعة من الأطفال، كانوا يلحون عليه ويطالبونه قبل أيام من مقدم العيد بشراء الخروف أو “حلوف العيد” كما ينطقون، فهم مثل غيرهم من أطفال الجيران يريدون أن يحظوا بخروفهم ويلاعبوه ويداعبوه، ويطلقون عليه اسمًا للتدليل قبل ذبحه، وكان الرجل الذي لا يملك “حق الخروف“، يراوغهم حزينًا بأنه سيلبي طلبهم، ممنيًا النفس بنجاح مساعيه في الاستدانة من أحد معارفه حتى يحقق ذلك.
ذات يوم، خرج الأب في سبيل الرزق، وترك باب البيت الصغير مفتوحًا، وفي اللحظة ذاتها وجد خروف في حي مجاور بوابة البيت الكبير مشرعة، فاندفع بعد أن قطع الحبل – كان قويًا وسمينًا – إلى الخارج وفر في الشوارع، وأصحاب البيت يجرون وراءه للقبض عليه إلى أن فقدوا أثره داخل زقاق صغير، يفصل ما بين الحيين، الغني – منزل الخروف، والفقير – منزل الأطفال والأب الحزين.
وتقول القصة: أثناء هروبه المصحوب بالرعب، وجد الخروف بابًا صغيرًا مفتوحًا، فاندفع إلى الداخل ووقف تحت شجرة ليمون مزهرة وهو يلهث من التعب. ذلك كان بيت الأب الحزين، وأطفاله الذين في انتظار خروف العيد، وهم يرون الآن أمامهم خروفًا سمينًا وسيمًا يقف ساكنًا تحت شجرتهم المزهرة.
حين عاد الأب كسيفًا من مشواره الفاشل، وجد صغاره ملتفين حول الخروف الهارب، جلبوا له الماء وحشائش خضراء، بعضهم يحاول إطعامه والآخر يمسد صوفه المكتنز. احتار الرجل وزوجته، لكن ذلك لم يمتد طويلًا، إذ بعد وقت وجيز من عودته إلى المنزل، سمعا طرقًا على الباب ثم اندفع مجموعة من الشباب وخلفهم شيخ كبير في السن. كانوا يشيرون إلى الخروف: أخيرًا وجدناه. في حين كان الشيخ ينظر بحنو إلى الأطفال وهم متحلقون حول خروفه الهارب. فهم كل شيء في لحظات، وهو ينقل بصره بين الأب وأطفاله وأمهم الصامتة. اقترب من الصغار وسألهم: دا خروف منو؟ أجابوا بصوت واحد وهم يتقافزون ويضحكون: “دا حلوفنا حق العيد”.
ضحك الشيخ بفرح وهو ينظر إلى مرافقيه قبل أن يقول لهم:
نعم أخيرًا وجدناه، وصل بالضبط إلى مكانه المطلوب.. الخروف هدية العيد لهؤلاء الصغار.
العوض الجميل
وتشير رواية أخرى إلى أن الشيخ عند خروجه صادف شاحنة مليئة بالخراف في طريقها إلى سوق المواشي فأوقفها ظناً منه أن أسعار الخراف داخل العربة ربما تكون منخفضة قبل وصولها للسوق، وبالفعل انتقى خروفاً كبيراً وعندما سأل التاجر عن السعر أبلغه بأن أباهم أوصاهم بعدم أخذ مقابل من أول زبون يشتري الخراف وهكذا أتاه العوض الجميل وقتياً.