وكالات: نفاج نيوز
في ظل تصاعد المعارك الدامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، اضطر إبراهيم ونعيمة وحسن وعبد العزيز إلى مغادرة السودان بحثًا عن ملاذ آمن، واختاروا طريق الهجرة عبر ليبيا، رغم ما يُعرف عنه من كونه أحد أكثر المسارات خطورة وتعقيدًا، ويشهد تزايدًا مستمرًا في أعداد المهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا. وكالة الصحافة الفرنسية وثّقت شهاداتهم، التي تعكس حجم المعاناة التي يواجهها المدنيون السودانيون في ظل الحرب المستمرة.
حي الثورة بأم درمان
عبد العزيز بشير، البالغ من العمر اثنين وأربعين عامًا، كان يعيش حياة مستقرة نسبيًا في حي الثورة بمدينة أم درمان. مع اندلاع الحرب، ظن أنها لن تدوم طويلًا، لكن استمرارها قلب كل شيء، فاضطر إلى الفرار مع عائلته إلى مدينة القضارف شرقي السودان. ورغم أنه وجد الأمان هناك، إلا أنه لم يتمكن من تأمين عمل، في ظل تدهور اقتصادي متسارع وأزمة جوع تُعد من بين الأسوأ عالميًا. يسعى عبد العزيز إلى الهجرة نحو أوروبا رغم إدراكه للمخاطر، ويقول إنه يعلم أن الطريق محفوف بالموت، سواء في الصحراء أو في البحر، لكنه لا يرى خيارًا آخر. يؤمن أن الهجرة تمثل الأمل الوحيد، وإن نجح في الوصول فقد يتمكن من تغيير وضع أسرته، وإن فشل، يكون قد حاول.
مدينة كسلا
إبراهيم ياسين، البالغ من العمر عشرين عامًا، غادر مدينة كسلا شرقي السودان في ديسمبر 2023 متجهًا نحو ليبيا، ومنها إلى أوروبا. يروي أن الرحلة عبر الصحراء كانت قاسية إلى حدّ الجحيم، حيث واجه عطشًا شديدًا وأيامًا بلا طعام. وبعد وصوله إلى ليبيا، طلب منه المهربون مبلغ ثلاثة آلاف دولار لإكمال الرحلة، لكنه لم يكن يملك المال، فقرر الفرار بمفرده إلى طرابلس على أمل إيجاد فرصة أخرى. هناك، طالبه مهربون آخرون بمبلغ 3500 دولار لعبور البحر المتوسط، فاضطرت عائلته إلى بيع منزلها في السودان لإرسال المبلغ. بعد ثماني ساعات من الإبحار، أوقفهم خفر السواحل الليبيون وتم احتجازه. أُفرج عنه بعد دفع ألف دولار، لكن محاولته الثانية للفرار انتهت أيضًا بالقبض عليه، وهو الآن عالق في طرابلس بلا وثائق أو مال أو أي خيار واضح. يقول إبراهيم إنه يعيش وسط شبكات التهريب، بلا أمان أو أوراق، ولا يستطيع العودة إلى السودان أو الوصول إلى أوروبا، ويصف مصيره بأنه مجهول.
سوبا جنوب غرب الخرطوم
نعيمة أزهري، البالغة من العمر خمسة وثلاثين عامًا، كانت تعيش مع زوجها وابنتهما في منطقة سوبا جنوب غرب الخرطوم عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023. ظنت في البداية أن النزاع لن يستمر أكثر من أسبوعين، لكن بعد سيطرة قوات الدعم السريع على العاصمة، فقدت الأمل في البقاء. في أغسطس من العام نفسه، غادرت مع عائلتها إلى ليبيا بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا. تصف الرحلة بأنها كانت شاقة ومليئة بالمخاطر، حيث واجهوا تهديدات وإتاوات في كل نقطة عبور، وانتقلوا من دولة تسيطر عليها ميليشيات إلى أخرى. بعد عشرة أيام من التنقل، وصلت العائلة إلى طرابلس، لكنها وجدت واقعًا أكثر قسوة من الذي هربت منه، حيث عانت من غياب الاستقرار وانعدام فرص العمل، وشعرت أن الحياة في ليبيا أصعب من الحرب نفسها. فكرت في العودة إلى السودان، لكنها لم تجد وسيلة آمنة لذلك. وبعد عام من المعاناة، قررت العائلة في أكتوبر 2024 التوجه إلى مصر، حيث وصلت بأمان ووجدت حياة أفضل.
مدينة الجنينة
حسن آدم، البالغ من العمر أربعين عامًا، كان يعمل موظفًا حكوميًا ويعيش في مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، مع زوجته وأطفاله الثلاثة. اندلاع الحرب قلب حياته رأسًا على عقب، إذ شهدت المدينة في عام 2023 مذابح ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق أفراد قبيلة المساليت التي ينتمي إليها، وأسفرت عن مقـ ـتل ما بين عشرة إلى خمسة عشر ألف شخص، وصفتها الأمم المتحدة بأنها إبادة جماعية. كان حسن من المقربين للوالي (خميس أبكر) الذي اغتيل على يد قوات الدعم السريع، ويقول إنه استنكر الجريمة مع عدد من زملائه، فتم اعتقالهم وتعذيبهم، وتعرضوا للإهانات والتهديدات. فرّ حسن عبر الصحراء إلى ليبيا، حيث احتُجز في ما يُعرف بـ”التركينة”، وهو مكان مكتظ يُحتجز فيه المهاجرون ويتعرضون فيه للإهانة والضرب والاستغلال. بعد شهرين من المعاناة، استقل قاربًا صغيرًا أوصله إلى إيطاليا في رحلة بحرية استمرت يومين، ومنها انتقل إلى فرنسا حيث طلب اللجوء السياسي. يعمل الآن في مصنع ويسعى لمعرفة مكان أطفاله الذين يُعتقد أنهم في مخيم للاجئين في تشاد، لكنه يواجه صعوبات بسبب عدم امتلاكه وثائق رسمية. يؤكد أنه لا يستطيع العودة إلى السودان، وأن هدفه الوحيد هو استقدام أسرته إلى فرنسا.
معاناة الحرب
الحرب في السودان أسفرت عن مقـ ـتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من ثلاثة عشر مليون شخص، ما جعلها واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة. شهادات هؤلاء المهاجرين تعكس حجم المأساة التي يعيشها المدنيون السودانيون، وتُبرز التحديات التي تواجههم في رحلة البحث عن الأمان والاستقرار.