اليوم العالمي للقضاء على الفقر.. الحماية الاجتماعية بوابة الأمل والتمكين الاقتصادي
تقرير: سلمى أمين
في السابع عشر من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للقضاء على الفقر، الذي يمثل مناسبة
لتجديد الالتزام الإنساني والمجتمعي بمواجهة الفقر والحد من آثاره، وتعزيز قيم التضامن والتكافل، والعمل
من أجل مستقبل أكثر عدالة، تتوافر فيه فرص العيش الكريم للجميع.
ويأتي الاحتفال هذا العام في ظل تحديات اقتصادية ومعيشية متزايدة، تفرض ضرورة تكثيف الجهود وتوسيع
مظلة الحماية الاجتماعية، والانتقال من التدخلات الإغاثية العاجلة إلى برامج مستدامة تستهدف التمكين
الاقتصادي، وتنمية القدرات، وفتح آفاق جديدة أمام الأسر محدودة الدخل والفئات الأكثر هشاشة.
وتحت شعار «معاً من أجل تعزيز الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي المستدام»، تبرز أهمية تضافر
الجهود الرسمية والمجتمعية، وتعزيز الشراكات مع المنظمات والمؤسسات التمويلية والخيرية، بما يسهم في
تحسين الأوضاع المعيشية للأسر الفقيرة، ويمنحها فرصاً حقيقية للاعتماد على الذات والمشاركة في العملية الإنتاجية.
وفي ولاية الجزيرة، تتقدم قضايا مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية للفئات الضعيفة ضمن أولويات العمل
الاجتماعي، في ظل الحاجة إلى استجابات أكثر فاعلية للتحديات التي خلفتها الحرب، وما ترتب عليها من تراجع
في مصادر الدخل، وفقدان سبل كسب العيش، وزيادة الأعباء المعيشية على الأسر.
وتضطلع وزارة الرعاية الاجتماعية بولاية الجزيرة بدور محوري في دعم جهود الحماية الاجتماعية، عبر العمل
على تنسيق المبادرات والبرامج الرامية إلى مساندة الأسر المتعففة، وتعزيز الشراكات، وتوسيع فرص التمكين
الاقتصادي، مع الاهتمام بالفئات الأكثر احتياجاً، بما في ذلك الأرامل والمطلقات والأيتام والأشخاص ذوو الإعاقة
وكبار السن والنازحون والأسر محدودة الدخل.
وتتطلب هذه المرحلة تطوير آليات الوصول إلى المستحقين، وتحسين قواعد البيانات الاجتماعية، وتوجيه
الموارد المتاحة وفقاً للاحتياجات الفعلية، بما يعزز عدالة توزيع الدعم، ويرفع كفاءة التدخلات الاجتماعية، ويضمن
وصول الخدمات إلى الفئات المستهدفة ويمثل مركز الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر بوزارة الرعاية الاجتماعية بولاية الجزيرة إحدى الركائز المهمة في جهود
مكافحة الفقر، من خلال تعزيز مفاهيم التكافل الاجتماعي، والعمل على دعم الأسر المستهدفة، وربط الحماية الاجتماعية بفرص التمكين الاقتصادي والإنتاج.
وتتجاوز مكافحة الفقر مجرد تقديم المساعدات المباشرة، لتشمل بناء قدرات الأسر، وتوفير فرص العمل والإنتاج،
وتشجيع المشروعات الصغيرة، وتعزيز مهارات النساء والشباب، وتوسيع فرص الاستفادة من التمويل الأصغر والمبادرات المجتمعية.
كما تبرز أهمية الشراكات بين المؤسسات الحكومية ومؤسسات الزكاة والتمويل والمصارف والمنظمات الوطنية والدولية، لتوفير تدخلات متكاملة تجمع بين
المساندة الاجتماعية والتمويل والتدريب والمتابعة، بما يساعد الأسر على الانتقال التدريجي من دائرة الاحتياج إلى رحاب الإنتاج والاستقرار الاقتصادي إن مواجهة الفقر
بصورة مستدامة تتطلب الاستثمار في الإنسان، وتمكينه من امتلاك الأدوات التي تساعده على تحسين واقعه المعيشي، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة الأزمات بصورة مؤقتة.
ومن هنا، تبرز أهمية المشروعات الإنتاجية الصغيرة، والتدريب المهني، والتمويل الميسر، ودعم المبادرات
النسوية والشبابية، وتوفير فرص التسويق للمنتجات المحلية، إلى جانب تشجيع الجمعيات التعاونية والمبادرات المجتمعية التي تسهم في خلق مصادر دخل مستدامة.
ويظل تمكين المرأة اقتصادياً من الملفات المهمة في هذا المسار، لما له من أثر مباشر في تحسين أوضاع الأسرة
وتعزيز قدرتها على مواجهة الأعباء المعيشية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها كثير من الأسر.
كما أن الاهتمام بالأشخاص ذوي الإعاقة، والأسر التي فقدت مصادر دخلها، والنازحين والعائدين، يستدعي
تصميم برامج تستجيب لاحتياجاتهم الخاصة، وتضمن مشاركتهم الفاعلة في التنمية والإنتاج ولا يمكن لجهة
واحدة أن تتحمل مسؤولية مكافحة الفقر بمفردها؛ فالمعركة تحتاج إلى شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمصارف والمنظمات والمجتمع المدني
والمبادرات الشعبية.
وتتطلب هذه الشراكة تنسيق الجهود، وتبادل المعلومات، وتحديد الأولويات، وتجنب ازدواجية التدخلات، مع تعزيز
الشفافية في إدارة الموارد وقياس النتائج، حتى تتحول المبادرات إلى أثر ملموس في حياة المستفيدين.
كما تظل المتابعة الميدانية والتقييم الدوري من الأدوات
الضرورية لقياس مدى نجاح البرامج، والتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه، وتحديد الفجوات التي تحتاج إلى
تدخلات جديدة.إن اليوم العالمي للقضاء على الفقر ليس مجرد مناسبة للاحتفاء بالشعارات، بل محطة لتقييم ما
تحقق، ومراجعة أوجه القصور، وتجديد الالتزام ببناء منظومة حماية اجتماعية أكثر قدرة على الاستجابة للأزمات.
وتبرز الحاجة في ولاية الجزيرة إلى توسيع قاعدة المستفيدين وفقاً للإمكانات المتاحة، وتحديث البيانات
الاجتماعية، وتعزيز التمويل الموجه للمشروعات الإنتاجية، وتطوير الشراكات مع الجهات الداعمة، إلى
جانب وضع مؤشرات واضحة لقياس أثر البرامج على دخل الأسر واستقرارها المعيشي.
كما أن دعم المبادرات المجتمعية وترسيخ ثقافة التكافل والتضامن يمثلان عنصرين أساسيين في بناء مجتمع قادر
على مواجهة الأزمات، وحماية الفئات الضعيفة، وتعزيز فرص التعافي وإعادة البناء.
في اليوم العالمي للقضاء على الفقر، تتجدد الرسالة بأن كرامة الإنسان هي جوهر التنمية، وأن الحماية الاجتماعية
ليست مجرد مساعدة وقتية، بل حق إنساني ومسؤولية مشتركة تستوجب العمل والتخطيط والاستثمار في قدرات المجتمع.
فمكافحة الفقر تبدأ بالحماية، وتتقدم بالتمكين، وتكتمل بالإنتاج والاستدامة.
ومن هذا المنطلق، يبقى الرهان على تكامل الجهود وتوسيع الشراكات وتحويل المبادرات إلى نتائج ملموسة،
حتى تجد كل أسرة فرصة للحياة الكريمة، ويصبح الأمل واقعاً، والإنتاج طريقاً للاستقرار، والتنمية حقاً متاحاً للجميع.