هذه الدنيا كفتان: المرء فيها أسعد البؤساء، لا يملك سوى الحواس الخمس، أو هو أتعس الأغنياء، حاز كل شيء في تصالح العلل، والراجح منهما من حمد الله على كل حال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مقهى النشاط من الطلاب صاحب مسطرة طويلة يتوكأ عليها في أناقة، الدنيا عنده هندسة، لا شيء فيها متروك للصدفة، ولكن الفوضى تحيط بكل شيء حولنا. كان اللقاء هناك أول مرة قبل تخرجنا في الجامعة أيدي سبأ. ثم بالصدفة بصرت بصاحب المسطرة الطويلة وقد استعاض عنها الآن بعكاز. فاجأته:
ـ يا هندسة!.
التفت إليّ وقد ضبطته متلبساً بالهندسة يتوكأ عليها. جلسنا نحتسي مثنى وثلاثاً من أمور كلما هي فارغة ملأتها بالشاي البائعة. ثم تكرر لقائي بالمذكور، المرة تلو المرة، نستعيد الماضي حتى صرنا معرفة. سألته عن حاله وأحواله وماذا فعلت به الدنيا، فإذا هو من أسعد الأشقياء! الرجل ليس وسيماً، وإنما حاذق الذكاء، كثير الصدام مع الأنظمة لأن كل شيء ليس في محله والحياة هندسة.
في زمن حكومة الإنقاذ، ذات يوم، كان الاجتماع منعقداً برئاسة المدير العام لهيئة مياه الخرطوم. الأجندة كثيرة، أولها مشكلة انقطاع المياه عن أجزاء واسعة من العاصمة المثلثة. المطلوب البحث عن حل. مخرجات الاجتماع قضت أن عُهد إلى ( يا بت يا هندسة ) حل المشكلة، فعكفت صاحبتنا على دراسة الموضوع من أوله إلى آخره. على أرض الواقع كان سكان امتداد الدرجة الثالثة وما بعدها يدفعون ما عليهم نظير تأمين وصول المياه إليهم، وبرغم ذلك لا يستقون إلا بعد منتصف الليل، وقد صدر الرعاء، وأكثر الأحيان لا يصل إليهم ما يبل ريقهم، فيما الأحياء الراقية التي هي قريبة من القلب تنهل حتى تشرق بالماء. لا يدفعون ما عليهم من التزامات ورغم ذلك ينعمون بالخدمات التي على رأسها السقيا والكهرباء.. بجرة قلم أمرت نائبة المدير العام بقطع الماء عن الأحياء ( المعمورة ) وما جاورها لإلزام الأكابر بتسديد الفواتير لانعاش المواسير. قامت مدينة الخرطوم ولم تقعد يومها ذاك. كيف ينقطع الماء عن الأكابر؟ وفي الحين والتو تم تسريح يا ( بت يا هندسة ). قيل لها: ( في إطار التطوير والبرمجة تم نقلك إلى موقع آخر منعاً للخرمجة )، فذهبت المذكورة، غير مأسوف عليها، إلى الموقع الجديد، فإذا هو عبارة عن غرفة فيها مكتب. وفوق المكتبة مروحة تلف وتدور، وأكثر الأوقات حائرة لا تلف ولا تدور!