كسلا: أحمد بامنت
كثبان رملية تسوقها الرياح لتحيط بمنطقة مامان بمحلية تلكوك بولاية كسلا شرقي السودان و التي تبعد حوالي (175) كيلومتر من كسلا على الجانب الشمالي الشرقي للمدينة وعورة الطريق وبعد المسافة وطبيعة المنطقة ضربت حولها طوق من العزلة حال دون سبر أغوارها فإحتفظت بكامل أسرارها على الرغم من إنتشار الكثير من الشواهد والدلائل التي تؤكد انها منطقة حبلى بالكثير فبين جبل (أقيرنيب) وجبل (مامان) وجبل (هشنيت) وعدد من الخيران والمجاري يرقد الوادي المنبسط الذي تسور بتلك الجبال مع كثبان رملية تنتشر على طول المنطقة، نجد قباب يتجاوز أعدادها المئآت مشيدة على نمط هندسي بالغ الدقة والتعقيد حيث تتكون تلك القباب من مجموعة من الصخور منحوتة على أشكال شرائح حجرية متراصة ولا تجد أي نوع من الأنواع المستخدمة في البناء (المونة) فهي تقوم على طريقة متراصة وبتجانس متناهي الدقة
الرويات والأساطير
نسجت حول تلك القباب بمنطقة مامان الكثير من الروايات والقصص تعامل معها سكان المنطقة بنوع من الحذر حيناً وبعدم الاكتراث واللامبالاة في أحياناً أكثر فقلما يقتربوا من تلك القباب ،علما بأن هنالك أهالي يقطنون على مسافة منها ، ويتناقلون ببعض الروايات عن تلك القباب إلا أنهم غير متثبتين يقيناً باية من تلك الروايات ، فمنهم من يزعم بأنها كانت مدافن ومنهم من قال إنها ترجع إلى التركية السابقة ومنهم من يدعي أنها كانت سكنات لفرقة عسكرية وأن قائدهم كان أسمه مأمون وحُرفت وأصبحت مامان، وهنالك رواية تذهب إلى فترة أبعد من ذلك فقد روى لي أحدهم أن هنالك عالمة آثار مصرية جاءت إلى المنطقة وزعمت أن مامان هو شقيق هامان وزير فرعون وغيرها من تلك الروايات التي تؤكد أن لتلك المناطق تاريخاً لم يقرأ بعد .
إلا انهم ظلوا دوماً يستقبلون وفود من الباحثين والمنظمات الأجنبية والأجانب الذين يجوبون المنطقة ويقفون على تلك الشواهد والقباب ويدونون في دفاترهم ما تقع عليه أعينهم ويمضون في حال سبيلهم دون الكشف عن ما دونوه لهم …وهنا يؤكد الشيخ السبعيني علي محمد دين، أن هؤلاء الأجانب يأتون دوماً وهم على دراية تامة بعدد من المواقع يجوبونها ويسجلون ملاحظاتهم ويمضون؛ ونحن لا نعرف مرادهم إن كان عن الآثار أم عن التعدين أم غير ذلك؟ فقد أكد أن المنطقة غنية بالمعادن من ذهب ورخام وحديد وأسمنت وغيرها من المعادن .
علاقات مع الفراعنة
وبعيداً عن تلك الروايات والقصص وإستناداً على الدراسات الأكاديمية التي تؤكد أن المجموعات القاطنة بتلك المنطقة من مكونات قبائل البجا والتي ورد ذكرهم في النصوص المصرية القديمة وكان يطلق عليهم بلاد البليمين والمقباروي وبناءاً على ذات الدراسات فقد ذكر المؤرخ إراتوستين أن البليميون ويُقصد بهم البجا انهم كان لهم دوراً بارزاً في منطقة شمال السودان وجنوب مصر بعد القرن الثالث الميلادي كما انه ورد ذكرهم في العديد من المصادر الرومانية واللاتينية القديمة، وكان لهم اتصالاً تجارياً مع الفراعنة وتؤكد الدراسات التاريخية ان الفراعنة كانوا يستخرجون الذهب من مناجم البجا وقد ذكر ذلك ابن حوقل كما ذكر الزمخشري في كتابه معجم البلدان ( بجاة أرض النوبة بها إبل فرهة وإليها تُنسب الإبل البجاوية وقال عنهم إنهم أمم عظيمة بين العرب والحبش).
دراسات ومدافن
وبناءاً على تلك الخلفية وربطها مع ما يتوافر من شواهد على الأرض بمنطقة مامان ومع كل ما يذكر من روايات حول تلك المنطقة يتأكد بأن هذه الشواهد التي تمتد على طول الوادي تُمثل أثراً لحضارة ما؛ حيث نجد أن تلك الشواهد التي تقوم على شكل قُباب تنتشر على طول المنطقة تُشير إلى وجود آثاراً لم تكتشف بعد وقد أكدت لنا الأستاذة حباب إدريس خبيرة الآثار بالهيئة العامة للآثار والمتاحف الاتحادية أن موقع مامان تم تسجيله كموقع أثري وذلك عقب البلاغ المقدم من معتمد محلية تلكوك آنذاك الأستاذ محمد طاهر سليمان بيتاي إثر التعديات التي ظل الموقع يتعرض لها من قبل المعدنين، وقالت إن الهيئة قامت بإجراء مسح ميداني للموقع وكانت نتائج تلك المسوحات أن هذه الآثار مجموعة من القُباب تماثل نمط البناء الحجري في العصور الإسلامية المبكرة أو في المسيحية وأكدت أن الموقع لم تتم عليه أية أعمال حفريات استكشافية لكن تم تسجيل الموقع، وأشارت إلى حجم تلك القُباب 50 ×50 وأن البوابة لا تتعدى خمسة ونصف سنتمتر وأن بوابات تلك القباب جميعها تفتح على الجانب الشرقي باتجاه القبلة ،ورحجت أن تعود تلك الآثار إلى أبعد من ذلك ولم تستبعد أن تكون في فترة مابعد مروي، وقالت إن المسح لم يرصد وجود فخار حول تلك القُباب أو حول المحيط الخارجي لها الأمر الذي ينفي وجود سكن بالموقع، إلا أن الباحث أبوعبيدة الماحي خبير الآثار رحج أن تكون هذه الآثار في فترة العصر الوسيط ولم يشترط وجود فخار للجزم بعدم تواجد سكني بالموقع باعتبار أن المجتمع مجتمع رعوي يعتمد على نبات الدوم المنتشر بالمنطقة ، فيما أشارت حباب إلى نتائج البعثة المشتركة لجامعة نابولي برئاسة البروفيسور أندرية مانزو والتي بدأت أعمالها بشرق السودان منذ عام 1988م وسنوياً تواصل زيارتها للولاية في محاولة لدراسة حضارة منطقة القاش ومكرام وربطها مع مثيلاتها من الحضارات القائمة آنذاك، وقالت إن الصخورالمستخدمة في تلك القُباب مقطعة على أشكال شرائح وإن البناء قائم على طريقة التشبيك ومع ذلك فإنه بالمتانة التي أتاحت له الصمود أمام كل تلك السنين وأن تلك القُباب مجوفة من الداخل ولم تستبعد أن تكون مدافن فقد تلاحظ وجود آثار لعظام آدمية، وهنا قال الباحث أبوعبيدة الماحي إن كانت هذه القُباب مدافن إسلامية أو مسيحية كان من الضروري وجود شواهد عليها وإن كانت بعض روايات السُكان المحليين تؤكد أنها مدافن .
ألغام ومعوقات
وأشارت حباب إلى جُملة من المعوقات التي حالت دون العمل بمنطقة مامان آنذاك فقد كان هنالك خطر الألغام المنتشرة حول المنطقة إضافة إلى بعد المنطقة ووعورة الطريق فضلاً عن جُملة من التحديات التي تواجه أعمال الحفريات الإستكشافية الأثرية وأكدت الأستاذة سارة علي مسئول الآثار بإدارة السياحة بكسلا أن عالم الآثار الإثيوبي ورئيس قسم الآثار بجامعة أديس أبابا الأستاذ ألم متنقوس جاء إلى المنطقة وخلصت أبحاثه إلى وجود القمح والبذور في منطقة تقلانيوس قبل آلاف السنين مما يُعزز فرضية وجود حضارة في تلك المنطقة .
الكنز الخفي
ووصف الأستاذ عبدالله أوبشار في كتابه ( الاكتشاف العظيم) أن الآثار بمنطقة مامان بكسلا تُعد كنز خفي لتاريخ تلك الحضارات مشيراً إلى أن البعثات الأثرية وعمليات التنقيب التي اُجريت بتلك المنطقة تؤكد ذلك وقال إن هنالك جملة من الآثار التي لم تُكتشف بعد وهي معرضة للسرقة والتشوهات.
علماً بأن منطقة مامان قد ثبت أن بها كميات مقدرة من الذهب والرخام والأسمنت وتشهد عمليات تنقيب واسعة الأمر الذي يجعل من هذه المناطق الأثرية عُرضة للكثير من التعديات مما يستوجب على الجهات المختصة التحرك الفوري لتأمينها.
وأكد الأستاذ حافظ فتحي مدير إدارة السياحة بوزارة الثقافة والإعلام والسياحة بولاية كسلا-وقتها- أن الإدارة قامت بالإشراف والمتابعة لعمليات المسح التي تمت من قبل البعثة الإيطالية والهيئة القومية للآثار والمتاحف الاتحادية وقامت بتسجيل موقع مامان كموقع أثري وقال إن هذه المنطقة تقف على آثار تُمثل حضارة لم تكتشف بعد وأن الجهود ستتواصل لاكتشافها وحمايتها وأشار كذلك إلى موقع تقلانيوس الذي لايبعد كثيراً عن مدينة كسلا والذي أثبتت الدراسات ونتائج الحفريات التي تمت فيه على وجود حضارة موغله في القدم بتلك المنطقة وقد كانت معبراً للحركة التجارية بين شرق السودان ومملكة أكسوم الحبشية مبيناً أن الحفريات أثبتت وجود كميات من الفخار والمدافن بتلك المنطقة وقد تم تسويرها وحمايتها .
جُملة القول إن كل هذه الدراسات أعطت إشارات أولية وأضاءت إلى طريق طويل لسبر أغوار تلك المنطقة والكشف عما تحمله في طياتها وهو مايتطلب تضافر الجُهود الرسمية مع الدراسات الأكاديمية المتخصصة وهو الدور الذي يُعول على جامعة كسلا القيام به خاصة قسم الجغرافيا والتأريخ حتى يتسنى كشف الحقائق الخفية والتعريف بحضارة شرق السودان للعالم أجمع .