محمود اسماعيل (الازهري)يكتب: شرق السودان: الإقليم الاستراتيجي المهمّش سياسيًا

 

في قلب الجغرافيا السودانية وعلى بوابة البحر الأحمر، يتموضع إقليم شرق السودان كموقع استراتيجي لا غنى عنه في حاضر البلاد ومستقبلها. فهو لا يحتضن فقط الميناء الوحيد للسودان – ميناء بورتسودان – شريان الحياة الاقتصادية للبلاد، بل يمتلك أيضًا موارد بشرية، زراعية، وثروات طبيعية يمكن أن تساهم بفعالية في النهضة الوطنية الشاملة.

ورغم هذه الأهمية، يظل الإقليم مهمشًا سياسيًا منذ الاستقلال وحتى اليوم. فتمثيله في مراكز اتخاذ القرار، سواء في المجلس السيادي أو التنفيذي أو حتى في الهياكل الحزبية والنقابية، يظل دون الحد الأدنى المقبول مقارنة بحجمه الديمغرافي والاقتصادي والجيوسياسي.

مأزق التمثيل: انقسامات الداخل تُضعف الخارج

السبب الجوهري لهذا التهميش لا يعود فقط إلى سياسات المركز التاريخية، بل أيضًا إلى الانقسام المستمر داخل المكونات السياسية والاجتماعية لشرق السودان. فبدلاً من تشكيل كتلة موحدة قادرة على التفاوض وفرض الحقوق، يعيش شرق السودان حالة من الصراعات البينية، والمشاكسات السياسية بين مكوناته القبلية والتنظيمية. فكل فصيل يسعى للظهور كالممثل الشرعي والوحيد للإقليم، مما يُضعف الصوت الجماعي، ويفتح الباب لتجاهله في اتفاقيات السلام والتسويات السياسية الكبرى.

ويكفي أن نراجع تجارب شرق السودان في المسارات التفاوضية (كما في اتفاق جوبا)، لندرك أن حضور الشرق كان دائمًا باهتًا وهامشيًا، إن لم يكن شكليًا في بعض الأحيان. وقد أدى هذا إلى توقيع اتفاقات لا تحظى بقبول شعبي واسع، أو إلى إقصاء مكونات رئيسية بحجة أنها “غير ممثلة”، مما أعاد إنتاج الأزمة بدلًا من حلها.

الميناء.. مورد قومي بلا تمثيل عادل

إن وجود ميناء بورتسودان يجعل من الإقليم ركيزة اقتصادية قومية، لكنه لم يكن سببًا في تمكين أهله سياسيًا أو اقتصاديًا. بل على العكس، ما تزال قضايا الخدمات الأساسية، والبنية التحتية، وفرص التشغيل لأبناء الإقليم، متردية وتفتقر إلى الحد الأدنى من العدالة.

ولعل الأخطر من ذلك، أن قضية الميناء أصبحت موضع مساومة سياسية في الخفاء، بين أطراف تسعى لبيعه أو خصخصته دون مشورة أهل الشرق، ودون مراعاة لمطالبهم المشروعة في المشاركة في إدارة موردهم الحيوي.

الطريق إلى الإنصاف يبدأ من الداخل

لكي يُنصف شرق السودان سياسيًا، لا بد من بناء جبهة موحدة تمثل الإقليم بمختلف مكوناته القبلية والسياسية والمدنية، قائمة على التوافق وليس الإقصاء، وعلى المصلحة الجماعية لا الفردية. يجب أن يدرك أبناء الشرق أن الخلافات الداخلية هي العقبة الأبرز أمام انتزاع حقوقهم، وأن “البيت المنقسم على نفسه لا يستطيع الصمود”.

كما أن القوى السياسية المركزية مطالبة بتغيير نظرتها للشرق، والتعامل معه كشريك أصيل لا كجغرافيا تُستثمر دون تمثيل. وعلى الحكومة الانتقالية وأي ترتيبات مستقبلية، أن تُدرج مطالب الشرق في صميم الحوار الوطني، عبر آليات واضحة، لا عبر تعيينات رمزية أو صفقات سياسية ظرفية.

ختامًا

شرق السودان لا يحتاج إلى صدقات سياسية، بل إلى عدالة شاملة وتمثيل حقيقي يعكس وزنه الجغرافي، الاقتصادي، والتاريخي. وحين يتفق أهله، وتتوحد كلمتهم، سيفرض الإقليم نفسه لاعبًا لا يمكن تجاهله في رسم مستقبل السودان.

 

التهميشالمجلس السياديميناء بورتسودان