*عمالة الأطفال …. الغرق في بحر الضياع!!*

*خبير قانوني : قانون الطفل(2010) يمنع عمل الاطفال دون سن (14) عامآ!!*

*خبير إجتماعي : هناك صعوبة في منع عمالة الأطفال لهذه الاسباب…!!*

*تحقيق : شهلاء عثمان بخاري*

*تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد ، الى جانب عدم استقرار العملية التعليمية منذ اعوام قاد الى ترك الاطفال لمقاعد الدراسة ، ومن ثم الاتجاه للعمل مما ادى لارتفاع نسبة عمالة الأطفال التي تحفها الكثير من المخاطر ، وقد اصبح هذا الامر هاجسآ لصعوبة الحد منه ، خاصة ان بعض الاسر اصبحت تدفع باطفالها الى سوق العمل دون مراعاة لما قد يحدث لذاك الطفل من ضياع مستقبل او غيره من مخاطر ، هل توجد قوانين تحرم عمالة الاطفال ؟وماهي الطرق التي يمكن بها الحد من انتشار عمالة الأطفال ؟ بعض وجهات النظر حول هذا الموضوع نستعرضها في المساحة التالية…*

*احلام ضائعة!!*

عندما تعبر احد طرقات ولاية الخرطوم المختلفة ليس غريبآ ان يستوقفك احد الباعة المتجولين من الاطفال حاملآ في يده مناديل ورقية وربما حلوى او لبان ، ويطلب منك الشراء بصورة ملحة تحمل في طياتها بعض الاستعطاف ، من هؤلاء الاطفال عماد وهو ليس الوحيد الذي دفعته ظروف الحياة للانقطاع عن دراسته فكثير غيره اجبرتهم الظروف على التوقف عن اللعب سعيآ وراء لقمة العيش ، استوقفتني طريقته في الترويج لما يحمله في يده ، وسألته عن سبب تركه الدراسة واتجاهه لسوق العمل فاوضح ان والده متوفي ولديه خمس من الاخوات هذا الى جانب امه المريضة ، وقال انه كان يحلم باكمال تعليمه والعمل في المجال القانوني لكن الرسوم الدراسية حالت دون ذلك ، مع انه كان يدرس في مدرسة حكومية ، وهو حزين بعض الشئ على احلامه الضائعة لكن يتمنى ان يصبح التعليم مجانآ حتى تجد اخواته الفرصة لمواصلة التعليم . في نفس المكان التقيت آدم او (الدكتور) كما يحب ان يناديه الجميع ، وهو طفل فكاهي لم يتجاوز الخامسة عشر من العمر كان يحمل بيده حقيبة تحوي أدوات لمسح الاحذية واصلاحها عندما سألته عن سبب تركه للدراسة والاتجاه للعمل في هذه السن المبكرة رج ضاحكآ : كنت اتمنى ان اكمل تعليمي واصبح دكتورآ مشهورآ لكن نسبة لإنفصال ابي عن والدتي والظروف الاقتصادية القاسية لم يعد في امكاني مواصلة الدراسة التي تركتها بعد ان اكملت الصف الخامس ، وضاع حلمي بأن احمل حقيبة دكتور فحملت حقيبة ورنيش وهذا هو سبب تسميتي بالدكتور .

*مهن خطرة!!*

عمالة الأطفال زادت من نسبة التسرب المدرسي ، وذلك نتيجة لارتفاع تكاليف الدراسة التي تجعل كثير من الاسر يدفعون بابنائهم الى سوق العمل لتغطية احتياجاتهم ، وفي احيان كثيرة تغطية احتياجات الاسرة التي تفقد عائلها لسبب أو لآخر ، وفي دراسة اجرتها يونسيف اوضحت ان ربع الاطفال فى السودان في العمالة والتي من بينها مناجم الذهب او الاسواق وغيرها من المهن الشاقة والمرهقة والخطرة ، وقد لا ينسى البعض تلك الحادثة التي ضجت بها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي العام الماضي للطفل ماجد مبارك والذي يبلغ من العمر اثني عشر عامآ ، والذي كاد يفقد حياته عندما علق لساعات داخل عربة نفايات محلية بحري التي يعمل فيها باليومية مقابل (500) جنيه لا غير ، وقد تعرض الطفل لبعض الكسور ، هذا الى جانب المعاناة النفسية التي عاشها واسرته في تلك اللحظات العصيبة .ويمكن القول ان مشكلة ماجد هذه غيض من فيض المعاناة التي يعيشها الطفل العامل في السودان . وارجع الخبير الاقتصادي علي النور تزايد نسبة عمالة الأطفال إلى انخفاض الدخل والأزمات الاقتصادية المتلاحقة وذلك يقود في احيان كثيرة لغياب الآباء و تنصلهم عن أسرهم وبعض منهم لا يكترث لتعليم أبنائهم وهذا ما يدفع الطفل للدخول لسوق العمل ، والانخراط في مهن شاقة وغير مناسبة لاعمارهم ، مما يعرضهم للخطر في احيان كثيرة ، ويكون العائد المادي قليلآ وبالكاد يسد رمق الجوع لتلك الاسرة ، ويمكن معالجة هذه المشكلة من خلال تمليك مشاريع تنموية للأسر الفقيرة لتخفيف الضغط المادي .

*تقنين العمالة!!*

وحول هذا الموضوع تحدثنا الى فاطمة البكري (خبير اجتماعي ) والتي ترى ان هناك صعوبة في منع عمالة الأطفال لدينا والتعامل معها بالطريقة العالمية (لا للعمالة، وهكذا) نسبة لواقع الفقر، فكثير من هولاء الأطفال يعولوا أسرهم ويكونوا أكبر إخوتهم ، وفي واقعنا لا نستطيع منع العمالة لكن لابد أن نقنن طريقة التعامل ووضع معايير معينة، أي تحديد الأعمال التي يعملوا بها وألا تكون مدتها طويلة ويعملوا في الليل والنهار، وألا تكون الأعمال خطرة تعرضه لنوع من التحرش والاساءة ، هذا الى جانب أهمية وجود المدرسة البديلة، والتي تدمج دراسة عامين في عام واحد حتى لا يفوتهم السلم التعليمي ، ونمنحهم الخيار إذا كان الطفل يريد أن يدرس الشئ الذي يعمل فيه، وأن تكون المدرسة معدة بحيث تكون صديقة أكثر من المدارس العادية، بحيث يكون المعلمون مدربين ويقدموا دعم نفسي مجتمعي من خلال التعليم ، وهناك كثير من الاشياء التي يفترض أن نقوم بها حتى نستطيع أن نبني الصمود النفسي عندهم والمهارات الحياتية في التعامل مع الاشياء، ونجعلهم يتأقلموا بصورة أفضل مع مجتمعهم وبيئتهم واذا كانت العمالة مقننة وفيها مراقبة لا يكون فيها أثار سالبة، بل تعمل على بناء الشخصية وبناء المستقبل وتجعل الطفل ريادي ،أما الأطفال في العمالة الغير مقننة سيتأثروا بأن يكونوا معرضين للخطر والعنف، فأرباب العمل ليسوا كبعضهم البعض ولا كل الأعمال كبعضها، وستتأثر صحتهم ويفقدوا حقهم في التعليم والصحة، ويمكن ألا يجدوا مالهم ويتعرضوا لاشياء سيئة كثيرة جداً، فالتجربة من غير تقنين ومراعاة ودعم صعبة جداً على الأطفال وقد تحدث لهم اضطرابات نفسية والدخول في مشاكل مع القانون ويكون عندهم اضطرابات سلوكية . اما الخبير الإجتماعي إبراهيم قدورة فقد ارجع انتشار عمالة الأطفال إلى انخفاض الدخل والأزمات الاقتصادية الضاغطة والتي ألقت بظلالها على شريحة الأطفال ودفعت بعضهم إلى ترك مقاعد الدراسة والبحث عن مهن هامشية كغسيل العربات وغيرها ، لكن المشكلة ان معظم أصحاب العمل ليس لهم ضمير ويقوموا باستغلال الأطفال في اعمال شاقة وبأقل أجر ، وليس هناك قوانين تحمي حقوقهم وان وجدت تكون غير مفعلة ، ويمكن الحد من هذه الظاهرة بتضافر الجهود بين مختلف الجهات الرسميه والمنظمات والمجتمع عامة وحصر اعداد الأطفال العاملين وسن قوانين لحمايتهم والتدخل المكثف للجمعيات الطوعية ومنظمات المجتمع المدني ورجال الأعمال في إصلاح الوضع المادي لهؤلاء الأطفال وأسرهم من خلال التبرعات والاعانات المادية وإيجاد فرص عمل لهم .

*انتهاك الحقوق!!*

المجلس القومي لرعاية الطفولة يعمل على الاشراف والمتابعة لكل الانشطة الخاصة بالطفولة ، وقد تم في فترة سابقة تكوين لجنة لمناهضة عمالة الأطفال ، التي تعتبر انتهاكآ لحقوق الطفل في النماء والبقاء والحياة والرفاهية التي نصت عليها القوانين والتشريعات الدولية والاقليمية والتي من اهمها قانون الطفل للعام (2010) والذي افرد فصلآ كاملآ لضمان حقوق الطفل العامل . وحول حقوق الطفل العامل تحدث الينا منتصر البدوي (خبير قانوني) والذي افاد ان قانون العمل (1997) يحوي موادآ تخص عمالة الأطفال ، وقد وقع السودان على الاتفاقية الدولية رقم (138) والتي تحدد الحد الأدنى لسن العمل ، كما تم التوقيع على الاتفاقية (182) والتي تخص حظر اسوأ أشكال عمالة الأطفال ، لذا لابد من العمل على تطوير التشريعات الوطنية في مجال عمل الاطفال ، خاصة ان السودان التزم وصادق على اتفاقيات حقوق الطفل والتي تمنع عمل الاطفال دون سن (14) عامآ ، وهذا ما نص عليه قانون الطفل للعام(2010) ايضآ الذي سمح بعمل الاطفال فوق سن (14) عام ودون (18)عام ، وحدد ساعات العمل بالا يعمل الطفل ما بعد الساعة السادسة مساء ، وهناك مشكلة لابد من الاشارة اليها وهى انه لا توجد لائحة تحدد الاعمال المحظورة في قانون الطفل مما ادى لانتشار ظاهرة عمالة الأطفال . وعلى الرغم من مصادقة السودان على العديد من الاتفاقيات الدولية التي تمنع عمالة الأطفال ، الا ان العمالة فيه منتشرة بصورة كبيرة ، فما بين غسيل المركبات وبيع الاكياس يضيع حق الطفل في حياة بريئة خالية من الهموم ، وفي احدى الولايات يعمل الاطفال بنسبة كبيرة في المطاعم والعديد من الاعمال الشاقة وذلك نتيجة للنزوح ومشاكل الحرب ، وهناك اطفال يتم استغلالهم في المزارع بمبالغ زهيدة

احلام ضائعةالدراسةالسودانالطفلالعمالةعمالة الاطفال