كسلا: انتصار محمد أحمد
سلسلة من الأعراف والتقاليد كنا نمر بها في حياتنا مرور الكرام من عاداتنا وتقاليدنا السمحة مثل “نقوش الحناء”؛ دون تمعن ودون أن ندرك قيمتها الحقيقية وأبعادها وانها يمكن أن تبني مستقبل أجيال وتخرج أجيال من مهن أوهوايات جانبية مثل التطريز والنقش على الثياب باشكال متنوعة بالخرز والسكسك والتي تعرف يثياب السهرة، و من تلك المهن الجانبية الأخرى (بائعات التسالي، الفول المدمس، صانعات القهوة، واللاتي يبعن الكسرة والأطعمة المحلية من وجباتنا وموروثاتنا الشعبية) وعلى الرغم من الزخم الذي تحدثه تلك الموروثات المحلية البسيطة في حياتنا إلا انها لم تلقى حظها في تسليط الضؤ عليها كثيراً، وفي السياق إلتقت صحيفة (نفاج نيوز الإللكترونية) بتجربة فريدة من نوعها في مجال (نقوش الحناء).. المربية المتميزة مريم عثمان محمد التي تروي لنا قصتها مع نقوش الحناء، في المساحة التالية.
المسيرة والبدايات
تقول الخالة مريم إنها بدأت مسيرتها مع نقش الحناء منذ نعومة أظفارها في العام الف وتسعمائة أربعة وسبعون، وتضيف كنت أعمل على تقليد الرسومات التي توجد على صناديق البسكويت وأوراق الحلوى، ثم تطورت الفكرة الرسومات إلى تقليد رسومات الكاريكاتير من صناديق البسكويت وغيرها إلى اشكال هندسية على الرغم من انني لم أدرس أو أذهب قط إلى فصول التعليم لجهة أن التعليم في تلك الفترة كان مركزاً للأولاد ولمن ترغب من البنات في التعلم، وتضيف مريم بعد ذلك اصبحت أرسم أشكال الصفق والورود وذلك كان هو السبب الرئيسي الذي دفعني لنقش الحناء على الأيدي والأرجل لأن أشكال الورود والصفق تتتناسب مع النقش في الأيادي والأرجل، وتقول في البدايات كنت انقش لأهل البيت والجيران مجاناً وتوسعت معي الفكرة رويداً رويدا، إلى أن أتت السانحة التي أخذت فيها مقابل مادي لأول مرة على النقش وكان ذلك في زواج إحدى جاراتنا “عروس” وكان المبلغ واحد جنيه وكان ذلك في العام الف وتسعمائة خمسة وسبعون وواصلت مسيرة العمل في مجال النقش لمدة سنة ثم تزوجت في نفس العام وتركته لظروف الحياة الجديدة فضلاً عن وضع زوجي المادي الذي كان كافياً انزاك، واستمرت الحياة ووهبنا الله بسبعة من الأبناء خمس بنات وولدين واصبحت متطلبات الحياة تزداد يوما بعد يوم؛ وفي العام الف تسعمائة تسعة وتسعين عاودت مسيرة النقش من جديد لأجل مساعدة الأبناء في تلبية احتياجات دراستهم، وكان أول نقش رسمته لعروس بمبلغ تسع جنيهات والحمد لله توافد الناس علي لأنني كنت أنقش حسب الاستطاعة وهكذا ااستمر الحال، وفي العام الفين وخمسة توفي زوجي حينها اصبح علي احمل المسئولية وتكبدت المشاق واكملت تربية ابنائي وتخرجت البنت الكبرى طبيبة واخيها مهندس، والاخت التي تليهم اصبحت معلمة، وعملت على تزويج البنتين، والاخ الاصغر يدرس حالياً في مجال علوم الحاسوب بينما البنت الصغرى “الحتالة” امتحنت الان الشهادة السودانية.
الأسعار حالياً
وعن الأوضاع الآن تؤكد الخالة مريم أن الأسعار تطورت مع تطور نقوش الحناء وتغيرات الزمن؛ ففي العام الفين وثمانية عشر تقول نقشت آخر مرة لعروس بمبلغ عشرين الف جنيه ثم تركتُ المداومة على النقش لظروفي الصحية وضعف النظر وعدم الحاجة الماسة للماديات، وتضيف بالقول بعد أن توظف الأبناء والحمد لله استطعت من عائد نقوش الحناء أن اكمل ترميم البيت وإضافة غرف أخرى وإكمال تعليم أبنائي.
الرسم على الورق
وفي ذات الإطار إلتقينا بتجربة أخرى مع ناقشة الحناء وهيبة فضل محمد ياسين التي نزحت من الخرطوم إلى ولاية كسلا وتعمل بالمنزل، التي تقول إن بداياتها مع نقش الحناء كانت عند دراستها في الصف الثاني بالمرحلة المتوسطة حيث توضح كنتُ أرسم على الورق الاشكال الهندسية والورود ثم رسمتُ مباشرة في ايدي اخوتي الصغار بالقلم، وفي العام الف تسعمائة وخمسة وتسعين كانت أولى بداياتي وكان مبلغ سعر النقش على الأيدي آنذاك خمسمائة الف جنيه والأرجل ثلاثة ألف جنيه، وتضيف كان والدي دخله محدود ونحن خمسة اخوة وكنتُ اكبرهم سناً لذا كنتُ أساعده حتى بعد زواجي كنتُ اساعد اسرتي من عائد النقش وفي الموسم كنتُ اقتني الذهب والفضة من سعر نقش الحناء في موسم الأعياد.
العمل والمنزل
وعن توفقيها بين شغل البيت والأبناء خصوصا في موسم الأعياد تقول وهيبة: كنتُ أستأجر (عاملة منزل) تساعدني في نظافة المنزل وتعينني على خدمة الأبناء في الموسم فقط، وفي موسم العام الفين وتسعة عشر كانت الحناء بمبلغ ثابت وكل نقشة لها سعرها الخاص، حيث يبلغ سعر (البرواز) الفي جنيه، والحنة العادية أربعة إلى خمسة ألف جنيه، وفي العام ألفين وأربعة وعشرون وإلى يومنا هذا أصبحت الأسعار كالآتي، الحناء العادية للأيدي والأرجل من خمسة عشر إلى خمسة وعشرين ألف جنيه ونقش حناء العروس من سبعين ألف جنيه إلى ثلاثمائة ألف جنيه، علما بانني بدات الرسم بالصبغة الحجرية ثم بصبغة (البيقن) وكنتُ أُحنن العريس بالحناء العادية.
تحضير الحناء
يتم تحضير الحناء عن طريق وضع كمية من اوراق صفق الحناء وهو عبارة عن نبات دائم الخضرة وبعد ذلك يتم تجفيفه وسحنه ومن ثم نضيف عليه قليل من الروائح العطريه مثل السرتية او المحلبية مع قليل من الماء ونخلط حتى تصبح عجينة ثم نضعها على الأيدي والأرجل إلى ان تجف ثم ننزعها و نكررها مرتين حتى تصبح سوداء جميلة.
حنة الكوافير
ايضا التقينا بتجربة متفردة مع ناقشة الحناء أعراف سيد أحمد محجوب وهي صاحبة كوافير في مدينة كسلا، التي تقول بداتُ تقش الحناء على يدي ب(القلم الشيني) ثم قلم الدلال ثم رسمتُ مجموعة من الرسومات، و في العام الفين وواحد وعشرين فتحت كوافير ولأول مرة نقشت حناء لعروس بمبلغ عشرين الف جنيه وكانت جميلة جداً جداً ومنذ ذلك الوقت أصبحتُ مِن من يتحدثون عنهن في نقش الحناء، وتؤكد أعراف أن الحنا لها العديد من الملحقات التي تتمثل في استئجار ثوب الجرتق وغيره من الزينة و تجهيز العروس، وبالنسبة لثوب الجرتق تقول يبلغ سعر استئجاره سبعين الف جنيه، وسعر (جدلة العروس القمر بوبا) مائة وخمسين الف جنيه، أما الجدلة العادية فيبلغ سعرها ثمانين الف جنيه بينما يبلغ سعر نقش حناء العروس اليوم مابين خمسين الف جنيه الى مائة وعشرين الف جنيه، و سعر (مكواة الشعر) عشرين الف جنيه، أما التصفيف او الإستشوار يبلغ سعره عشرين الف جنيه ونظافة الوجه خمسة الف جنيه، وتصفيف الحاجب خمسة الف جنيه، والتشيير سبعة الف جنيه، والتاتو سبعة الف جنيه، وتركيب الرموش عشرين الف جنيه، والميك أب او تجهيز العروس الكامل يبلغ سعره من أربعمائة وخمسين ألف جنيه إلى سبعمائة الف جنيه وحسب الاستطاعة، وتضيف أن تلك الطقوس التي ذكرناها تتبع لعملية تجهيز العروس، وبعض منها يتبع لتجهيز العريس، وتعتبر الحناء جزءاً مهماً من احتفالات الزفاف وخصوصا في المجتمعات السودانية ومن خلالها يتم تزيين العروس بنقوش الحناء على الأيدي والقدمين وتوضع كذلك على أقدام وأيدي العريس السوداني، ويتم وضع الحناء مرة واحدة في العمر وتعتبرهذه من موروثاتنا وعاداتنا وتقاليدنا السمحة.
وأخيراً بينما أصبحت ثقافة نقوش الحناء من أميز العادات والتقاليد السودانية نجد كذلك أن العديد من الدول العربية أهتمت بها مثل الهند وباكستان وشمال افريقيا وكثير من البلدان الأخرى.