بسبب تدخل الشرطة بالغاز المسيل للدموع، انسحبنا من ساحة مقهى النشاط بالجامعة، في معية أطولنا بالرسم البياني. آوينا إلى ركن بعيد نسعل ونعطس ومن أعيننا يسيل الدمع. وبعد أن هدأت الأحوال، واطمئن البال عدنا ننعم بالقفشات يطلقها هذا القادم من مدينة كوستي حيث قبلاً كان يعمل مدرساً في مدرسة وسطى. جاءه الخبر وهو في الفصل:
ـ يا أستاذ. مبروك تم قبولك في جامعة الخرطوم!
ـ رجاء دعنا نكمل الحصة ثم نمزح!
اكتملت الحصة وانقلب المزح جداً. بمجموعه في شهادة له سابقة أمكن ل ( س ع ع 1979 ) الالتحاق بـ ( الجميلة المستحيلة )، فهرول إليها، لا يلوي، مودعاً الطباشيرة والسبورة إلى الأبد.
الضلع الثاني في مثلثنا القائم الزاوية لا يتكلم، ربما بسبب تأثير الغاز المسيل للدموع. تارة وأخرى يسعل. يدخن أفكاره أنه قدم أوراق اعتماده من أم درمان. وفيما ينالني شيء من تبغه كنت استنشق مجاناً ومرات مثله أسعل. موقعي بين صاحبيّ الخبر: تارة يتقدم على المبتدأ وتارة يتأخر، وقد أتوسط بين الذي يدخن والقادم من كوستي. ومرات تدخل علينا ( كان أخواتها ) من كلية الآداب، يرفعن المبتدأ وينصبن على الخبر.. الخبر يحدث أنني أيضاً من كوستي الثانوية ساقني إلى هنا القدر، وتلك قصة أخرى لا يتحملها هذا المحل. المهم.. في هذا التقارب والتباعد والرفع والنصب صاحبنا ( ا ع ع 1979 ) هو المحور. هو الجوكر بين الورق.
من سأقدم يحمل على كتفيه خمس نجوم تلمع، رغم أنه ليس من العسكر. بطل حقيقي أرشحه لنيل جائزة أيوب للصبر. كان يقول ضاحكاً ( لو كان الهم رجلاً لقتلته، ولو كان على كاهلي لوضعته، لكن لاحيلة لي معه كونه يحملني على ظهره ). صاحبي يدندن:
ـ أنت الليل وأنا النجوم
أنا الضحك وأنت الهموم
يا ظالمني!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا تحزن يا وطني.. إن الله معنا