بأي ذنب قُتل هؤلاء؟ هل البحث عن لقمة العيش جريمة تستحق القصف الجوي؟.. حروف واضحة..بقلم صفاء تاج السر
في صحاري الشمالية القاحلة، حيث لا ماء ولا ظل، حيث حرارة تتجاوز الخمسين، يقضي آلاف الشباب السودانيين أيامهم بحثاً عن جرام ذهب يسد رمق أسرهم. شباب لم يتجاوز بعضهم الثامنة عشرة من عمره، تركوا مقاعد الدراسة وتركوا أمهاتهم واسرهم وحملوا الكوريك والحلم.
طيران حربي، قالت مصادر ميدانية متطابقة إنه طيران مصري، قصف مناطق عمل المعدنين التقليديين في صحراء الشمالية، قصف تجمعات مدنية لا تحمل سوى المعاول، فحول أجساداً غضة إلى أشلاء.
هم ليسوا تجار حرب. هم أبناء الفقر. ابن المزارع الذي جف زرعه، وابن الموظف الذي لم يعد راتبه يكفي، والطالب الذي ترك الجامعة لأن رسومها فوق طاقة أسرته.
يغيب أحدهم ثلاثة أشهر في الخلاء، بلا شبكة، بلا سرير، ينام على الرمل، يأكل القراصة “الناشفة” ، ويشرب ماءً مالحاً، وكل ذلك لأجل مكالمة واحدة لوالدته: “الحمد لله لقيت لي جرامين”.
فراق الأهل هو مهنتهم الثانية. يودعون أمهاتهم وهم لا يعلمون هل يعودون أم تبلعهم البئر، أم يتيهون في الصحراء، أم تقصفهم طائرة من السماء.
حجم المأساة لا يوصف. معظم الضحايا هم من صغار السن، بين 17 و 25عاماً. أطفال بعمر الزهور دفعتهم الحاجة إلى الموت.
أين القانون الدولي الذي يمنع قصف المدنيين؟
أين حق الإنسان السوداني في أن يعمل داخل أرضه؟
بأي ذنب قُتل هؤلاء؟ هل البحث عن لقمة العيش جريمة تستحق القصف الجوي؟
ما حدث في الشمالية ليس حادثاً عابراً، إنه مجزرة مكتملة الأركان. مجزرة ضد الجوعى، ضد المهمشين، ضد الشباب الذي لم يجد له هذا الوطن وظيفة فذهب يصنعها بيديه في باطن الأرض.
اليوم يبكي السودان شماله وشرقه وغربة أبناءه. اليوم كل بيت فيه أم تنتظر جرام ذهب، سيصلها نعش.
على الحكومة السودانية أن تتحرك فوراً. دماء هؤلاء الشباب ليست رخيصة، وكرامة المعدن السوداني ليست هدفاً مشروعاً لأي طيران، مهما كان.
الذهب تحت أرضنا، والشباب أبناء أرضنا، ومن يقصفهم يقصف السودان كله.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.