أدفع البشارة.. عصابات جديدة تُروع السودانيين

68

 

الخرطوم: نفاج نيوز

وسط الفوضى الأمنية التي خلّفتها الحرب، انتشرت في شمال السودان عصابات تفرض قانوناً جديداً على المواطنين تحت عنوان “ادفع البشارة”.

فقد باتت تلك العبارة الاسم المحلي للفدية التي تُجبى مقابل استعادة المسروقات، تحت غطاء العرف القبلي المعروف بـ”السالف”، الذي تحوّل من وسيلة صلح اجتماعي إلى أداة ابتزاز منظم، يدفع فيها الضحايا ثمن أمنهم مرتين، مرة حين تُنهب ممتلكاتهم، ومرة أخرى حين يُجبرون على الدفع لاستعادتها.

ففي منطقة كبوشية شمال الخرطوم، روى الراعي محمد عبد القادر للعربية.نت/الحدث.نت ما جرى معه، قائلاً “استيقظت فجراً فلم أجد القطيع. بعد أيام اتصل بي شخص وقال إن البهائم بخير، لكن عليّ أن أدفع مائتي ألف جنيه لاستعادتها. دفعت… لم يكن أمامي خيار آخر”.

لكن هذه القصة ليست فريدة، بل تتكرر يومياً في ولايات نهر النيل والقضارف وكسلا، حيث سُجلت مئات السرقات خلال عام واحد، معظمها تُسوّى خارج القضاء عبر وسطاء محليين يحصلون على عمولات من الجانبين.

فهؤلاء الوسطاء، كما يصفهم الأهالي، باتوا الواجهة الاجتماعية للسارقين، وخلقوا اقتصاداً خفياً قائماً على الخوف والصمت.

وفي السياق، أوضح مصدر أمني في شرطة نهر النيل لـ”العربية.نت” أن أغلب البلاغات تتعلق بسرقات سيارات ومواشٍ، ينفذها معتادو إجرام يتحركون بحرية على أطراف المدن. وقال “بعض السرقات تُدار وفق ما يُعرف بـ”السالف”، حيث يُعاد جزء من المسروقات بعد تهديد الضحايا بعدم الإبلاغ عن الجناة، ما يضعف العدالة ويخلق بيئة تواطؤ اجتماعي”.

كما أضاف أن الشرطة وضعت خطة لتكثيف الدوريات ونقاط التفتيش، لكن نقص الإمكانات واتساع الرقعة الجغرافية يجعلان المهمة شبه مستحيلة.

إلى ذلك، أشار مسؤول أمني آخر فضّل عدم ذكر اسمه، إلى أن بعض عصابات “السالف” ترتبط بشبكات تهريب البشر والمخدرات عبر الحدود الشرقية، وتُستخدم الأموال المدفوعة كفدية في تمويل أنشطة أكبر تمتد خارج السودان.

أما المقدم منذر مختار، فحذر من أن “ما يجري لم يعد مجرد سرقة ماشية بل نشاط إجرامي منظم يستفيد من الفوضى وشح الموارد وسهولة اقتناء السلاح”، داعياً إلى ضبط الحدود وتفعيل القوانين الرادعة قبل أن يتحول السودان إلى “معبر للجريمة العابرة للحدود”.

بدوره، قال الدكتور طارق عبد الله، رئيس جمعية “صحفيون ضد الجريمة”، لـ”العربية.نت” إن “السالف تطوّر من سرقة الماشية إلى سرقة السيارات وتهريبها شرقاً، وتحوّل من تسوية عرفية إلى جريمة اقتصادية معقّدة”. وأكد أن “القوانين الحالية لا تجرّم هذا الابتزاز صراحة، مما يشجع الجناة على توسيع نشاطهم بلا رادع”.

علماً أن “السالف” كان في الأصل عرفاً قديماً نشأ في مناطق البطانة ونهر النيل والجزيرة، لتسوية النزاعات حول الماشية المسروقة، بحيث تُعاد بعد دفع تعويض عبر وسيط يحظى بثقة الطرفين، لكن مع انهيار الدولة وتراجع سلطة القانون، تحوّل العرف إلى نظام ابتزاز منظم يدر ملايين الجنيهات، وأصبح غطاء للعصابات العابرة للولايات.

ففي ظل غياب الدولة، لجأت بعض القرى إلى مواثيق شرف قبلية أعلنت فيها تحريم التعامل مع السارقين واعتبار من يمارس “السالف” منبوذاً، لكن هذه المواثيق تظل رمزية بلا قوة تنفيذية.

وفي السياق، أوضحت الباحثة الاجتماعية أسماء جمعة أن “السالف” في أصله كان وسيلة سلمية لتعويض المتضررين والحفاظ على العلاقات الاجتماعية، لكنه اليوم تحوّل إلى ابتزاز منظم يُستغل فيه العرف لتبرير الجريمة.

كما أضافت أن “ما يُسمى الآن سالفاً ليس امتداداً لذلك التراث بل انتهاك سافر يُمارس لإخراج المجرم من طائلة القانون مع الحفاظ على صورته الاجتماعية”.

وإثر ذلك، طالب قانونيون وخبراء أمنيون بإضافة نص صريح في القوانين السودانية يُجرّم ممارسة “السالف” والوساطة فيها، وتنظيم أسواق الماشية بإثباتات ملكية واضحة. كما يدعون إلى ربط الحلول الأمنية بإصلاحات اقتصادية تحد من الفقر والبطالة، اللذين يشكلان البيئة الخصبة للجريمة.

وحتى إشعار آخر، يعيش سكان الريف تحت سلطة قانون غير مكتوب اسمه “البشارة”. وفي تلك المراعي التي كانت تعج بالحياة، يسود صمت ثقيل لا يقطعه إلا رنين هاتف مجهول يهمس لصاحبه ببرود: “بهائمك بخير… فقط ادفع البشارة”.

 

التعليقات مغلقة.