بصيص امل.. انتصار تقلاوي تكتب العدل والمساواة في “معركة الكرامة”.. حضور عسكري ورهان سياسي
حين تتوحد البندقية مع القضية الوطنية، تتجاوز الحركات المسلحة إطارها التقليدي لتصبح
جزءاً من مشروع حماية الدولة وصون سيادتها.
وفي السودان، فرضت “معركة الكرامة” واقعاً جديداً أعاد رسم ملامح التحالفات الوطنية، وأثبت أن الدفاع
عن الوطن مسؤولية جماعية تتقدم على كل الخلافات.
وفي هذا السياق، أكدت حركة العدل والمساواة
السودانية بقيادة الدكتور جبريل إبراهيم أن قواتها تُعد الأكبر بين القوى المشاركة في “معركة الكرامة”
بعد القوات المسلحة السودانية، من حيث عدد المقاتلين والآليات وحجم القيادات الميدانية المنتشرة في مختلف المحاور.
وإذا صح هذا التقدير، فإنه يعكس حجم الدور الذي تقول الحركة إنها تؤديه في مسار العمليات العسكرية،
ويؤكد أنها أصبحت أحد أهم الفاعلين في المشهد الميداني.
لم تكن “معركة الكرامة” معركة الجيش وحده، بل تحولت إلى اختبار وطني لكل القوى التي أعلنت انحيازها
للدولة السودانية ومؤسساتها. ومنذ بداياتها، دفعت حركة العدل والمساواة بقواتها إلى ميادين القتال، حيث
شاركت في عدد من المحاور جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، في مشهد جسّد مفهوم الشراكة في الدفاع عن الوطن.
وأن تكون الحركة، بحسب تصريحاتها، ثاني أكبر قوة مشاركة من حيث العدد والعتاد، فهذا يعكس ثقلاً عسكرياً مؤثراً في سير العمليات.
العدل والمساواة في الميدان
كما أن انتشار قادتها الميدانيين في مختلف الجبهات يشير إلى مشاركة فاعلة في التخطيط والتنفيذ
وإدارة العمليات، وليس مجرد وجود رمزي أو دعم محدود.
ولعل ما يميز هذه المشاركة هو انتشار قوات الحركة في ولايات السودان المختلفة، حيث تؤدي أدواراً في
تأمين المناطق والطرق والمرافق الحيوية، إلى جانب الإسهام في تعزيز الاستقرار بالمناطق التي
استعادت الدولة السيطرة عليها. وهذا الانتشار يعكس تحولاً مهماً في طبيعة دور الحركة، من حركة
حملت السلاح في مراحل سابقة إلى قوة ترى أن حماية المواطن والدولة جزء من مسؤوليتها الوطنية.
ولم يكن هذا التحول وليد اللحظة، بل جاء نتيجة رؤية سياسية تعتبر أن بناء الدولة القوية هو المدخل
الحقيقي لتحقيق العدالة والتنمية ومعالجة قضايا التهميش. فالدولة المستقرة هي الإطار الذي يمكن من خلاله إنصاف جميع السودانيين، بعيداً عن الفوضى والانقسام.
كما أن المشاركة الواسعة للحركة في هذه المرحلة تحمل دلالات سياسية تتجاوز البعد العسكري، إذ تؤكد أن
القوى الوطنية، على اختلاف خلفياتها، قادرة على الالتقاء حول هدف حماية السودان والحفاظ على وحدته وسيادته. ومن هنا، فإن ما يجمع السودانيين اليوم
ينبغي أن يكون أكبر من خلافاتهم، وأن تتحول تضحيات الميدان إلى قاعدة متينة لمشروع وطني جامع.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحروب مهما طالت لا يمكن أن تكون غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة
تفرضها الظروف لحماية الدولة. أما المستقبل الحقيقي، فيبدأ عندما تتوقف أصوات البنادق وتعلو أصوات البناء والتنمية والإعمار.
وإذا كانت حركة العدل والمساواة قد رسخت حضورها العسكري خلال هذه المرحلة، فإن التحدي الأكبر أمامها،
وأمام جميع القوى الوطنية، هو الإسهام في بناء سودان ما بعد الحرب؛ سودان يقوم على سيادة القانون، والعدالة،
والتنمية المتوازنة، والشراكة السياسية التي تفتح أبواب المستقبل أمام جميع أبناء الوطن.
إن “معركة الكرامة” لن تُقاس بنتائجها العسكرية وحدها، بل بقدرة السودانيين على تحويل تضحياتها إلى
مشروع وطني يعيد بناء مؤسسات الدولة، ويرسخ السلام، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الوطن هو الرابح الأكبر.
فمعركة البندقية توشك أن تضع أوزارها، أما معركة البناء والإعمار فهي المعركة الأطول والأهم، وهي معركة تحتاج إلى تضافر جهود الجميع، حتى يبقى السودان موحداً، آمناً، وقادراً على النهوض من جديد.

التعليقات مغلقة.