رابطة الصحفيين الوافدين إلى كسلا.. تجربة إنسانية تستحق التوثيق
ليست كل التجارب الإنسانية تُقاس بطول عمرها، ولا تُختزل قيمة المؤسسات في استمرار وجودها الرسمي فهناك تجارب تظل
حاضرة في ذاكرة الناس بما قدمته من مواقف إنسانية، وما تركته من أثر طيب في حياة الآخرين. ومن بين هذه التجارب تبرز تجربة
رابطة الصحفيين الوافدين إلى ولاية كسلا، التي أدت دوراً مهماً خلال فترة الحرب والنزوح، وكانت نموذجاً للتكاتف والتضامن في
واحدة من أصعب المراحل التي مر بها الصحفيون الوافدون إلى الولاية.
تم تكوين الرابطة في خواتيم شهر يونيو من العام ٢٠٢٤م بعد توافد أعداد كبيرة من الزملاء والزميلات إلى كسلا الوريفة وتنامي
إحساسنا بضرورة عمل جسم بهدف لم الشمل وخدمة بعضنا البعض في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد.
بحمد الله وجدنا تجاوبا كبيرا من قطاع التوجيه في وزارة التربية والتوجيه ممثلا في الأستاذة أميرة حسين موسى مدير القطاع
والأستاذ خالد البشير مدير المصنفات الأدبية، وتم تسهيل إجراءات الرابطة وتكوين أماناتها الأساسية لنشرع بعد ذلك في مرحلة
البحث عن (نفاجات) لخدمة الأعضاء المنتشرين في عدد من محليات الولاية المترامية الأطراف.
لم تتوقف برامج وأنشطة الرابطة على الوقوف إلى جانب العضوية فقط، وإنما تخطتها للمشاركة في الهم الوطني الكبير بدعم
معركة الكرامة من خلال تقديم مبادرة (السودان في الوجدان) التي سخرت خلالها الرابطة منصات وأجهزة عضويتها الإعلامية
المختلفة من مرئية ومسموعة ومقروءة لدحض الشائعات ومحاربة خطاب الكراهية ورتق النسيج الاجتماعي وإسناد أنشطة وبرامج دوائر حكومة الولاية التنفيذية ومكوناتها الأهلية المختلفة، فضلا عن التعريف بالجواذب الاستثمارية والسياحية في محليات
الوريفة كافة.
بحمد الله وتوفيقه وجدت مبادرة السودان في الوجدان قبولاً كبيراً من أعلى الهرم التنفيذي ممثلاً في والي الولاية اللواء ركن م
الصادق الأزرق الذي أعلن تبنيه المبادرة وتم تدشينها في موكب كرنفال احتفال كبير انطلق من قطاع التوجيه مرورا بالسوق
الكبير وحتى أمانة الحكومة وخاطبها اللواء م الصادق الأزرق.
عضوية الرابطة
تخطت عضوية الرابطة في فترة من الفترات الخمسين عضوا من الزملاء/ت الذين وفدوا إلى كسلا بسبب ظروف الحرب من ولايات
البلاد المتخلفة، وبحمد الله وتوفيقه فاقت الدعومات التي تم تقديمها للعضوية العشرين، وفي بعض الأحيان كانت السلال الغذائية
تأتي بنصف العدد المطلوب فتضطر لتوزيعها مناصفة كل عضوين في سلة، وعندما تكون السلال أقل من العدد المطلوب بكثير
نضطر لاستبعاد الزملاء المتزوجين ونعاملهما كفرد واحد حتى نغطي كل العضوية المرصودة – علما بأن الاشتراكات الشهرية
المفروضة كانت مقررة من كل عضو على حدا حتى الزملاء المتزوجين.
تخطت دعومات الرابطة من عضويتها لتشمل عدد من الحالات الإنسانية في المجتمع، فضلا عن تقديم مبادرة لتوزيع المصاحف
والدفايات على نزلاء سجن أروما كما ساهمت الرابطة في حلحلة عدد من مشاكل الأعضاء في دور الإيواء وقدمت تدخلات علاجية
ووفاقية في عدد من الحالات الأخرى، وهذا غيض من فيض الذي أسعفتني الذاكرة لاسترجاعه.
التوثيق للتجربة
بعد صدور قرار حل الرابطة أمس، أجد نفسي معنياً بالكتابة عنها، ليس من باب استعادة الذكريات فحسب، وإنما من واقع
المعايشة والشهادة على تفاصيل هذه التجربة، فقد كنت أحد أعضائها، وتوليت مسؤولية الأمانة المالية، وكنت قريباً من الجهود
والمبادرات التي بذلتها الرابطة، ومن المواقف التي جمعت أعضاءها في مواجهة ظروف الحرب والنزوح.
لقد جاءت الرابطة في وقت استثنائي، وجد فيه الصحفيون الوافدون أنفسهم أمام تحديات قاسية فقد ترك كثيرون منازلهم
ومؤسساتهم ومصادر دخلهم، ووصلوا إلى ولاية كسلا مثقلين بظروف النزوح وتبعات الحرب. وفي تلك اللحظات، لم يكن الاحتياج
مقتصراً على الدعم المادي أو توفير الاحتياجات الأساسية، بل كان هناك احتياج أكبر إلى من يقف بجانب الصحفي، ويشعر
بمعاناته، ويسانده حتى يتمكن من تجاوز محنته.
أدوار الرابطة
ومن هنا برز دور الرابطة، التي لم تكن مجرد جسم تنظيمي يجمع الصحفيين، بل تحولت إلى مساحة للتواصل والتعاون والتكافل،
وسعت إلى الوقوف مع أعضائها، وتفقد أحوالهم، وتقديم ما تستطيع من دعم ومساندة وفق الإمكانات المتاحة. وقد كان التكاتف
بين الأعضاء أحد أبرز ملامح هذه التجربة، إذ لم يكن أحد بعيداً عن هموم الآخرين، وكانت الروح الجماعية حاضرة في مختلف المواقف.
وأقول ذلك من واقع ما عايشته بنفسي فقد شهدت كيف وقف أعضاء الرابطة مع بعضهم بعضاً، وكيف بذل المكتب التنفيذي جهداً
كبيراً في متابعة قضايا الصحفيين وتنسيق المواقف وتقديم العون الممكن. ولم تكن المهمة سهلة في ظل الظروف الاقتصادية
والإنسانية الصعبة التي فرضتها الحرب، ومع ذلك ظل العمل قائماً بروح المسؤولية والتعاون، وبإيمان بأن الصحفي الذي ينقل
معاناة الناس يستحق أيضاً أن يجد من يقف إلى جانبه عندما تضيق به الظروف.
وفي هذه اللحظات، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى أعضاء المكتب التنفيذي للرابطة، وإلى كل من تحمل المسؤولية وأسهم
بجهده ووقته وعلاقاته في خدمة الصحفيين الوافدين. كما أحيي جميع أعضاء الرابطة الذين جعلوا من التضامن قيمة عملية،
وترجموا معاني الأخوة والزمالة إلى مواقف حقيقية في وقت كانت فيه الحاجة إلى السند أكبر من أي وقت مضى، وأقول لكل من
تحمل مسؤولية عمل الرابطة الشاق في ذلك الوقت يكفيكم فخرا الدعوات وكلمات الثناء التي وجدتموها من عيون كانت تفيض
دمعا عند استلام الدعم لأن ما قدم لامس حوجة حقيقية في وقتها -ولا أزيد-.
الزملاء/ت في المكتب كانت تجربتنا ثرة بمعنى الكلمة، تشاكسنا واختلفنا مرات واتفقنا في غالب المرات وماكان الخلاف إلا من
أجل التجويد لطبيعة العمل العام وإحساسنا بعظم المسؤولية التي تصدينا إليها طواعية فكان لابد أن نكون قدرها.
أخيرا.. من لايشكر الله لايشكر الناس، شكرا والي ولاية كسلا اللواء م الصادق الأزرق على الدعم والمؤازرة، شكراً مفوض العون
الإنساني إدريس واراب، شكرا المنظمات الإنسانية العاملة في الولاية، شكراً زاهر منصور الذي أدار الرابطة بحكمة واقتدار، شكرا
هادية صباح الخير الأمين العام، شكرا عبد الله ود الشريف الرجل المشاكس، شكرا الطيب إبراهيم، رضا باعو، أبوبكر محمود، عرفة
خواجة، شكراً أبوبكر الصديق مدير وكالة السودان للأنباء الذي تحمل معنا كثير من الأعباء، شكراً لكل من ساندونا بالراي والفكر والجهد في تحمل أعباء الرابطة.
قرار الحل
وأقول إن صدور قرار حل الرابطة أمس يمثل نهاية لوجودها التنظيمي، لكنه لا يلغي ما قدمته، ولا يمحو المواقف التي سجلها
أعضاؤها خلال فترة الحرب والنزوح. فالمؤسسات قد تُحل بقرارات إدارية، لكن أثرها الإنساني والاجتماعي يظل محفوظاً في ذاكرة من استفادوا من جهودها، وفي شهادة الذين عايشوا تجربتها.
ولعل أهم ما ينبغي أن يبقى من هذه التجربة هو أن الصحفيين، رغم اختلاف مؤسساتهم وتوجهاتهم ومواقع عملهم، قادرون على الاجتماع حول القضايا الإنسانية والمهنية المشتركة، وأن التضامن في أوقات الشدة ليس مجرد شعار، بل مسؤولية وممارسة وموقف.
ختاماً أقول إنني أكتب هذه الكلمات بصفتي شاهداً على التجربة، وواحداً ممن تحملوا مسؤوليتها من داخل المكتب التنفيذي، بصفتي أميناً مالياً للرابطة. وأشهد أن أعضاءها وقفوا مع بعضهم بعضاً، وأن ما تحقق كان ثمرة جهود جماعية تستحق التقدير والاحترام.
شكراً لرابطة الصحفيين الوافدين إلى ولاية كسلا، شكراً لمكتبها التنفيذي، وشكراً لكل عضو أسهم في هذه التجربة. قد ينتهي التكليف، وقد يُطوى الكيان بقرار، لكن مواقف الوفاء والتكاتف لا تنتهي، وستظل حاضرة في الذاكرة ويستحق التوثيق لها أكثر من حلقة.
التعليقات مغلقة.