ولا آلو.. محمد سيف.. ١٧ ساعة في همشكوريب بين الروعة والإثارة والحركة الوطنية للعدالة والتنمية (٢/٢)

تحدثت في العمود الأول عن الدعوة التي تلقيتها لزيارة منارة القرآن الكريم مدينة همشكوريب لتغطية احتفال الحركة الوطنية للعدالة والتنمية بشرق السودان بمناسبة مرور الذكرى الثالثة للتأسيس، وكم كنت سعيد بتلك الدعوة التي ربما اتاحت لي توثيق معايشة الروحانيات وطلاب الخلاوي يتحلقون حول التقابات للذكر والتلاوة، وصلنا إلى حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة وبعدها خلونا إلى مضاجعنا بعد أن تسامرنا حتى بعد منتصف الليل في إرتشاف القهوة.
من مرقدي في الغرفة المجاورة لمكان إعداد القهوة أستطيع أن أؤكد أن نيران (طشت النار) لم تنطفىء حتى الصباح فكنت أسمع بين كل فينة والأخرى أصوات يد الفندك وهي تطرق إيذانا بوجود شخص جديد يعمل على إعداد القهوة وأستمر هذا الطرق حتى آذان الصبح ممايدل على عشق هؤلاء القوم البسطاء لشرب القهوة.
في الصباح وقبل الصلاة، من لم ينهض بسماع الآذان نهض بصياح المنادي وهو يجوب الاستراحة حاثا الناس على الصلاة، وبعد آداء الفريضة خالجت أحاسيسنا مشاعر متشابكة بين الدهشة والإندهاش حيث أتحف المصلين من (الكرياتي) آذاننا وهم يرددون بصوت واحد (التهليل) بصوت لحني جميل، علمت فيما بعد لمن لم يستطيع فرز الصوت أنهم كانوا يرددون (لا إله إلا الله محمد رسول الله) والكرياتي هم مريدو خلاوي الشيخ علي بيتاي.
بعد أن تكشفت الأرض بضؤ الشمس كان كل شي مختلفا، حيث أصبح المسيد عبارة عن خلية نحل تضج بالحركة والنشاط والوفود لازالت تترى استعدادا للتوجه إلى مكان الاحتفال في معسكر الحركة.
خليط الناس كان عبارة عن سودان مصغر ضم كافة السحنات والأثنيات، وإن كانت الغلبة للأطفال الذين كانوا يلهون في كل مكان بحجة ان اليوم عطلة للاحتفال.
كانت رهبة وقدسية المسيد حاضرة على لسان كل من تبادلت معه أطراف الحديث، أحدهم قال لي انه حضر من مدينة حلفا قبل عشر سنوات ولم يفكر في العودة إلى دياره مرة آخرى.
المسيد نفسه كان عبارة عن مزيج من الطراز المعماري الحديث وتحيط به بعض المباني القديمة، ولمحت شجرة قرب المسيد يبدو أن لها وقعا خاصا في نفوس الرواد حيث كانو يصلون تحتها ويطيب لهم المقام في ظلها، ولكن أكثر ماحز في نفسي أن التقابات كانت خاوية حتى من آثار النار والحطب ربما لضيق الزمن أو التوقيت الذي وصلنا فيه المدينة وخرجنا على عجالة، وما ميز المسيد أيضا تلك المآذن شاهقة الارتفاع التي ظننها في الليل خمسة ولكن عندما تكشف ضؤ الشمس وجدناها ثمانية مآذن تحيط بالمسيد في نظام هندسي بديع.
على لسان الشيوخ أكدوا أن المكيفات من سجائر وخلافة ممنوعة، وعلمنا من بعض الشباب انهم يجدون معاناة شديدة في التعامل مع المكيفات مما يدل على النظام الاجتماعي الصارم الذي تلتزم به المدينة.
وكذلك لا أدري هل كان صدفة أم للنظام الاجتماعي المتبع حيث لم ألحظ طيلة وجودي في همشكوريب عنصرا نسائي مماجعلني أشفق على الزميلة نعمة التي كانت ترافقنا في الرحلة وأثناء تغطية الاحتفال ونجحت في ايصال رسالتها الاعلامية بامتيار رغم الحشود الضخمة التي إمتلأ بها المكان.
بعد الجولة الصباحية في المسيد تناولنا وجبة الفطور وتوجها إلى مكان الاحتفال داخل المعسكر وكان يحفه مالايقل عن الألفي شخص بعضهم تسلق قمم الجبال العالية فبدى المشهد وكأنه في يوم عرفة، بينما إمتطى آخرون ظهور الإبل واللواري والدواب الأخرى.
بدات الفعالية الرسمية في تمام الساعة العاشرة صباحا بوصول محمد طاهر بيتاي لتبدا كلمات القيادات التي أطلقت الهواء الساخن من صدورها وسط تفاعل الحضور تارة باللغة العربية وتارة باللغات المحلية.
إذا كانت هي ساعات مفعمة بالكثير أطفأت فيها همشكوريب تقابات العلم وأوقدت شمعة الحركة الثالثة، ونتمنى أن نزورها مرة أخرى وتقابات القرآن متقدة.

العدالة والتنميةتقابات القرآنهمشكوريب