“دخلاء مهنة الصيدلة” ظاهرة منتشرة في الصيدليات يطلق عليهم الصيادلة إسم “الباعة”، هناك من ليس له مؤهل جامعي وبعضهم من غير التخصصات الطبية، وبعضهم من التخصصات الطبية غير الصيدلة .
العديد من أولئك الدخلاء ولجوا إلى مهنة الصيدلة عبر دراسة كورسات قصيرة بمعاهد مختصة بهذا الشأن تعمل على منح الدارس شهادة تعرف بأنه يمكن أن يمارس المهنة، ولكن هل تكفي هذه الكورسات بأن تجعل الدارس كفؤً بممارسة مهنة تدرس لمدة خمسة سنوات بالجامعات؟، تلك الكورسات مختصة أصلاً بمساعدي الصيادلة لآداء المهام الموكلة إليهم في الصيدلية، ولكن في الآونة الأخيرة إنتشرت ظاهرة خطيرة في ظل ضعف الرقابة على الصيدليات من قبل الجهات المعنية وهي تعدي أصحاب الكورسات على العمل المناط به الصيدلي المسجل بالمجلس الطبي السوداني فتعالت الفوضى وأصبح دارسي الكورسات يعملون على صرف الأدوية والعقاقير دون روشتات لعدم إدراكهم لخطورة الأمر ودون وضمير وأخلاقيات مهنية لأنهم يهدفون للربح فقط ولا تهمهم سلامة المريض، لذا أضحى من اللازم التحرك الفوري لتلافيها ومعالجة تلك المشكلة، لسلامة المواطن السوداني وضمان حقوق الصيادلة من الاستلاب الذي يواجهونه من ملاك الصيدليات.
وفي ظل الإنتشار الواسع لأصحاب الكورسات العاملين بالصيدليات تعالى السخط بين خريجي الصيدلة أصحاب التخصص من عدم أهلية أصحاب الكورسات وقلة معرفتهم وخبراتهم، فمنهم من يرى أنهم يشكلون خطرا على خريجي الصيدلة، ويأثرون سلبا على الانطباع العام لدى الصيادلة حديثي التخرج، ومنهم من يرى أنه لا حرج في مزاولتهم المهنة كصيدلي مساعد مع وجود دكتور صيدلي .
ولإلقاء المزيد من الضوء على هذه القضية الشائكة “التيار” أجرت التحقيق التالي مع عدد من الجهات المختصة والصيادلة لمعرفة رؤاهم حول هذه القضية.
تحقيق: وفاء محمد آدم
مهام وحدود
يقول رئيس شعبة الصيادلة بولاية الخرطوم د.نصري مربص إن تلك الكورسات تسمى”كورسات مساعدي الصيادلة” وهم ليسو بصيادلة وإنما مساعدين لهم، لذا يجب أن ينحصر عملهم
على مساعدة الصيدلي، ويضيف يطلق على دارسها”مساعد صيدلي” وتلك التسمية تضع حدود واضحه بين مهامه ومهام خريج كلية الصيدلة وتنحصر مهام مساعد الصيدلي في مراجعة الفواتير وتسعير الأدوية القادمة من الشركات وتنظيمها على أرفف الصيدلية حسب النظام المتبع لكل صيدلية حسب الحروف الأبجدية أو حسب النظام العلاجي للأدوية”جهاز هضمي، صدر ، عيون وما إلي ذلك” في حدود الإختصاص المعني به وذلك دون المساس بمهام الصيدلي وهي صرف العلاج للمريض وشرح طريقة تناوله والتوجيهات التي يجب أن يتبعها المريض أثناء تناوله العلاج والأشياء الواجب تفاديها في فتره العلاج فهي مسائل عالية الخصوصية وهي ليست من دراسات صاحب الكورس لذا التعامل مع المريض من إختصاص الصيدلي. ويضيف أن مهام أصحاب الكورسات إذا إنحصرت على ما ذكر ولم تتغول على مهام الصيدلي المسجل فلا ضير من عملهم بالصيدليات، ويقول إن لديهم الكثير من من المساعدين”أصحاب الكورسات” يعملون معهم بالصيدليات فقط بالخبرة وسنين العمل مع صيدلي متخصص حتى وإن كان طالب لديه شهادة ثانوية ويتقن اللغة الإنجليزية يمكن أن توكل إليه مسؤولية تسعير الأدوية فيقوم بحصرها وتسعيرها والتأكد من سلامة الفاتورة المرفقة ومن ثم تنظيمها بالأرفف ويوضح أنهم يعملون معهم بصفة “بياعين” في مستحضرات التجميل مثلا وفي مسألة الدواء في مراجعة الفواتير وتسعير الأدوية.
الدقة والصرامة
ويوضح أنه إذا كان هناك مساعد صيدلي دارس للكورس المخصص لمساعدي الصيادله يقوم بتلك المهام المذكورة آنفا فذلك أفضل مع وجود صيدلي قانوني يلازمه على الدوام وإذا تغيب الصيدلي القانوني المسجل لأي سبب تغلق الصيدلية وينصرف مساعد الصيدلي على أن تباشر الصيدلية عملها مع عودة الصيدلي المسجل لها، ويضيف نصري أن النظام إذا إستمر على تلك الصورة بكل دقة وصرامة نصبح قادرين على حفظ تخصص الصيدلي من اي تغول أو تطاول من قبل عامل أو مساعد أو صاحب صيدلية على مهنة الصيدلة وغيرها.
فطرة وفصاحة
ويرى د. نصري مربص أن مساعد الصيدلي لا ينبغي له التعامل مع المريض تحت أي ظرف كان، ويوضح أن صرف الدواء للمريض وكيفية إستخدامه تتم وفق دراسة علمية للصيدلي لا يأخذونها “فصاحة” على حد قوله، إذ لا يستطيع مساعد الصيدلي التمكن منها بالفطرة فقط “فهلوة”، ويؤكد ان التعامل مع المريض وشرح الدواء له من إختصاص الصيدلي المسجل لما له من جوانب فنية في التعامل مع مرضاهم ينفرد بها الصيدلي المسجل في دراسته في حال تدخل الصيدلي المساعد فيها يصبح خطرا على المريض وعلى المهنة على حد سواء وذلك لعدم إلمامه التام بكل جوانبها. ويوضح أن صاحب الصيدلية لا يكون في الغالب خريج كلية الصيدلة قد يأخد المهنة كتجارة وعليه يقوم بتعيين أصحاب الكورسات لمساعدة الصيدلي القانوني لكن في حال عمل مساعد الصيدلي بمفرده في الصيدلية تقوم إدارة الصيدلة بإقفال الصيدلية وذلك بالقانون ويتعرض صاحب الصيدلية للعقوبة الجنائية. ويؤكد على ان صرف الأدوية بدون روشتة ممنوع قانونا، ويضيف أن المواطن لديه انطباع أقل من يمكن به هو “الخاطئ” ان المضادات الحيوية (تعالج أي مرض) وهي قناعة متمكنة من عقول العامة أن الكبسولات تعالج الأمراض جميعها، ويوضح أن وعي الصيدلي ودرايته بحيثيات المرض تمكنه من إقناع المريض بحالته المرضية بوعي وثقة تامة يستطيع اقناعه أن حالته المرضية لا تحتاج مضادا حيويا قد يتخلى عن أخذ المضاد الحيوي الذي لا يحتاجه في غالب الأمر وإنما هي مسألة ثقافة شعبية منتشرة بين الناس وكأن المضادات الحيوية “حجاب” ضد أي مرض، لكن يتم صرف العلاج حسب الحالة المرضية.
ويقول د.نصري لضمان حقوق الصيدلي المتخصص يجب أن ينحصر آداء الصيدلي المساعد على مساعدة الصيدلي المسجل فقط وعدم اداءه لأي وظيفة في غياب الصيدلي المسجل بقوله “حيكون مساعد منو لو ماف صيدلي يساعده”، ويؤكد أن أي مالك صيدلية يعين أصحاب الكورسات دون وجود صيدلي مسجل معهم أثناء الدوام يعرض نفسة للتهمه الجنائية وقد يصل به الأمر إلى إغلاق صيدليته بإعتباره منتحلا لمهنة الصيدلة، وفي إطار ذلك يوصي د.نصري بضرورة تشديد الرقابة على الصيدليات وسن عقوبات فورية على أصحاب الصيدليات والكورسات الذين يعملون دون وجود صيدلي مسؤول للحفاظ على أرواح الناس.
كورسات تدريبية
ويؤكد د. نصري على ضرورة تلقي طالب الصيدلة لكورسات تدريبية مكثقة وهو في طور الدراسة تحت إشراف صيدلي خبير لا تقل خبرته عن خمس سنوات مرتين على الأقل وذلك بغرض تسهيل استيعاب العمل الصيدلي عليه بعد تخرجه، ويضيف أن الصيدلي غير الخاضع للتدريب تحت إشراف صيدلي ذو خبرة يصبح غير متمكن لعمله لأن أي خطأ في عمل الصيدلي يشكل خطورة على حياة المريض.
المجلس الطبي
وفي السياق يقول د.سعيد أحمد محمد إن صاحب الكورس لا ينبغي أن يطلق عليه لفظ “صيدلي” لأنه غير مسجل بالمجلس الطبي السوداني فيمكن تسميتهم بالباعة أو المساعدين أو أي لفظ آخر لكن لا يحق تسميتهم أو إعتبارهم صيادلة على أي وجه، ويضيف أنهم قانونيا لا يسمون صيادلة وبالتالي لا يحق لهم العمل بالصيدليات لأنهم سيصبحون خطرا على أصحاب التخصص بشغلهم المكان الذي يفترض وجود الصيدلي وتضيق بالتالي فرص عمل الصيادلة أصحاب التخصص. إضافة إلى أخطائه التى تلاحق الصيادلة ظلما بدون حق والمواطن لا يلام على ذلك لأنه لا يستطيع التفرقة بين الصيادلة ملاك الصيدليات ودارسي الكورسات ، ويستطرد إن صرف الدواء الخاطئ للمريض قد “يلحقه أمات طه”، ويوضح سعيد أن ملاك الصيدليات يلجأوون إلي تعيين المساعدين عوضا عن الصيادلة المتخصصين لصرف مرتبات ضعيفة لهم وتحقيق المبيعات العالية، ويضيف أن مالك الصيدلية قد يكون سيئ الطبع لذا لا يستمر الصيادلة المسجلين معه لفترة طويلة فيضطر المالك للجوء إلى أصحاب الكورسات، ويضيف أن الأمر يتم بتلك الصورة لضعف الرقابة التي قد تزور الصيدلية مره “في كل كم سنه” متعذرة بعدم توفر” العربات” والوقود و”هلمجرا”. ويؤكد سعيد في حديثه لـ”التيار” لحسم الأمر يجب تطبيق القانون بقوة، كل صيدلية يعمل بها صيدلي غير مسجل على الفور تسحب منها رخصة الصيادلة وتغريم مالكها ومن ثم سجن المنتحل والمالك.
تسرع ولامبالاة
من جانبه يقول الصيدلي بصيدلية مستوصف أبو الريش٢ بمنطقة السلمة البقالة مجاهد الجيلي علي إنه لا يوجد أي خطر من أصحاب الكورسات على أصحاب التخصص ” يعني لو سألتك هسه حيضرونا في شنو؟ م حتلقي إجابة “، ويضيف أن الضرر يقع على المريض متمثلا في عدم تلقيه للعلاج الأمثل والصحيح وعدم تلقيه الجرعة المناسبة بالطريقة الأنسب، فيواجه الأضرار الراجعة من كل دواء وبالأخص المضادات الحيوية وأدوية المخ والأعصاب خصوصا بالمرأة الحامل وأصحاب الأمراض المزمنة، ويضيف أن خطر صاحب الكورس على أصحاب الصيدليات متمثل في إغلاق صيدليته إذ تم إكتشاف تواجد صيدلي غير مسجل ومعتمد في المجلس الطبي، ويوضح التأثير السلبي لأصحاب الكورسات على الإنسان العادي عند صرف الدواء بغير دراسة مرجعيه للحالة، ويضيف أن المريض قد يأخذ منه دواء لأغراض غير علاجية مثل الأدوية المنشطة للمخ والاعصاب أو المهدئة فتؤدي إلى عدم استجابة جسم المريض للمضادات الحيوية مستقبلا و الإدمان.
جشع المالك
ويوضح أن تعيينهم من قبل مالك الصيدليه قد يتمثل في عدم دراية المالك بالمجال أو الجانب الإنساني والديني، وقد يتمثل في جشع المالك وعدم مصداقيته العملية لأن فرق الراتب بين الصيدلي المسجل وغير المسجل كبير جدا.
ويضيف أنه توجد رقابة وقوانين لكن التساهل في تطبيقها فتح باب اللامبالاة عند ملاك الصيدليات “أنا كمالك صيدليه شغلت زول غير مسجل ووفر علي مليار وجو ناس الرقابه وغرموني 200 الف جنيه فاكيد ما حاخاف”.
فاقد خبره
ويؤكد على ضرورة تشديد الرقابة الدورية على الصيدليات، وفرض عقوبات رادعة وفورية على المالك وعلى الصيدلي غير المسجل بإعتباره حامل سلاح في وجه مواطن مريض واعزل (فاقد خبره)، وتثقيف المواطن صحيا، وسن قانون القسم على ملاك الصيدليات بعدم التساهل ومخافة الله في المواطن والمجال، والنزاهه في العمل.
“دواي بعرفو”
ويقول مجاهد بالنسبة للمضاد الحيوي أنه توجد فوضى من الطرفين، جانب عدم التثقيف الطبي للمريض، فيوجد مرضى عشوائيين أمثال من يقولون “دواي أنا بعرفو”، جانب الثاني هو الصيدلي غير المسجل بالنسبة لقلة معلوماته فيصرف ويساعد بدون وعي، ويؤكد مسؤوليه هذه الفوضي تقع علي مالك الصيدليه والصيدلي الغير مسجل واللجان المسؤوله عن الصيدليات.
إحباط وأمل
ويضيف أنه يوصي بتشجيع الصيادله المسجلين علي العمل عن طريق الدعم المادي المناسب، ومنع كل الصيادله غير المسجلين من العمل إلا في وجود صيدلي مسجل، ويضيف مجاهد لضمان حقوق الصيدلي يجب عدم ترخيص الصيدلية إلا في حالة وجود صيدلي مسجل ومعتمد، وعدم صرف المضادات وأدوية المخ والاعصاب دون روشتة مختومة من جهة معينة، وسن قوانين صارمه تعمل علي تنظيم العمل في الصيدليات والمرافق الصحيه ،وعدم التساهل مع اي حاله كسر لهذه القوانين سواءا من الصيدلي المسجل أو غير المسجل أو مالك الصيدليه أو الجهة المسؤوله.
وقت الفراغ
في غضون ذلك يقول الصيدلي المساعد محمد مختار محمود أن كورس الصيدلة غير كافي لمزاولة العمل بالصيدليات ولكنه يمنحه أكبر معلومات عن الأدوية وإستعمالاتها وتزيد تلك المعلومات والمعرفة بالممارسة والعمل الجاد، ويضيف أنه درس كورس الصيدلة ليعمل وقت فراغه لصعوبة الوضع الراهن إضافة لرغبته في العمل كصيدلي.
عطالة وحيرة
ويقول محمد أنه إذا تم عمل مقارنة بين وضع السودان الاقتصادي و الأيدي العامله نجد أن معظم خريجي الجامعات “عطاله” أو “فارشين في السوق” لا يقف الأمر على الصيدلة فقط فكل المجالات تأخذ ذات المنحى ويقول الدليل على ذلك “بعض قيادات الدولة ما عندهم ولا حاجة وحاليا يتقلدون مناصب رفيعة”، ويضيف في حديثه لـ”التيار” أنه في كل صيدلية صاحب الكورس يعمل كمساعد صيدلي ومعه صيدلي متخصص يرجع إليه لمعاينة دواء أو إذا إستصعب عليه أمر، ويضيف أن صاحب الكورس قبلا يخضع لكورسات عملية “ترينيغ” قبل تعيينه بالصيدلية.
فرص الصيادلة
إلى ذلك يقول د. هاني نبق نقيب صيادلة ولاية الخرطوم أن مزاولة أصحاب الكورسات للعمل بالصيدليات يعملون بمهنة ليست لهم أصلا وبالتالي يضعفون فرص عمل الصيادلة مع الأخذ بالإعتبار أنه حسب قانون المجلس الطبي السوداني يمنع قانونيا عمل أصحاب الكورسات والدبلومات في صيدليات المجتمع، ويضيف ينبغي لمساعد الصيدلي العمل داخل الصيدلية تحت إشراف من قبل صيدلي مسجل ولكن تلك القوانين لم تطبق بالصيدليات لضعف الرقابة، ويقول أن ضعف الرقابة وعدم فاعليتها يخلق مشكلة حقيقية أمام خريجي الصيدلة وتقلل فرص حصولهم على أماكن شاغرة لمزاولة المهنة الذين هم أحق بها، ويضيف أن عدم وجود الصيدلي بالصيدلية يخلق هوة داخل المجتمع لأنه المعني بصرف الدواء وشرح كيفية تناوله للمريض.
ظاهرة غريبة
ويقر د.هاني بمزاولة أصحاب الكورسات العمل بالصيدليات ووصفها بأنها “ظاهرة غريبة” ويضيف أنه لا يعقل إقصاء 5 سنوات من الدراسه لصيدلي متخصص ليحل محله صاحب كورس مدة 3 أشهر ويؤكد أن ذلك الأمر خاطئ على كافة الأصعدة قانونيا وعرفيا وليس لديه أي سند وإنما يتم استغلال ضعف الرقابة من قبل ملاك الصيدليات لتحقيق مصالحهم الشخصية لذا يعينونهم لضعف الحالة الإقتصادية بالبلاد ويضيف “في النهاية لا يصح إلا الصحيح”و”الحق أبلج”.
تحسن الأوضاع
ويوضح أن المواطن عندما يذهب للصيدلية لصرف دوائه ينبغي أن يجد صيدلي متخصص يقوم على خدمته أما الصيدلي المساعد لضعف خبراته وقلة إدراكه قد يصرف دواءا خاطئا للمرض فيتسبب له بحالة مرضية أخرى أو تسوء حالته وقد يؤدي إلى وفاته، ويضيف أنه لا بد من الوقوف على تلك المسألة بصرامة وتفعيل القوانين الجنائية ومحاكمة كل من ينتحل مهنة الصيدلي بالمجتمع ويؤكد أنهم سيعملون على تطبيق ذلك عاجلا ويطمئن أن الأوضاع ستتحسن وستجري الأمور بصورة أفضل.