*بدون سكر* يوسف العطا يكتب: كأنك في جاكسون أو أم درمان! ( 9 )
لكن.. لما نظرت بعين العقل، لا هوى القلب، عجبت أن كيف اختار رفاقي الغربة أسلوب حياة. تتجاذبهم المغريات ويباعد بينهم والوطن ما فيه من بؤس وشقاء. وجدتهم يدفعون عربون الثمن في التعليم بلسان غير مبين، كأن يبدأ أبناؤهم الدراسة في مالي فيأتي الأمر منقولاً إلى القطب الشمالي! ومنهم من رمى به الزمن في أحواش المدن. يعلوهم الصد والرطوبة، أو تطمرهم رمال الصحراء الكبرى. ومنهم من تغلف الجليد كساء أبيض، فيما يخرج من فيه البخار كما موقد. وأحمد لمجموعتي الصغيرة أنهم لم يغادروا حوش الخارجية بعد التقاعد، لأنهم دخلوا من بابها، يتوكؤون كما عرجان من سكرتير ثالث إلى ثانٍ، إلى أول، إلى … سفير، أو قبل ذلك للصالح العام بحسب ما يرى النظام، وتقتضيه المصلحة العليا للبلاد فالسائر إلى النهر عريس لما يبلغ الميس. لا تجده إلى ( زحل مرفوعاً ) كما زعم المغني ، بل المقعد محجوز لـ (X) من الناس. الأفاضل ليسوا من الذين خلايا نائمة، حتى إذا أدرك البلد الغرق ولوا هاربين، متشبثين باللجوء السياسي، يعصمهم من الماء. نسيوا التي أطعمتهم من جوع وآمنتهم من خوف.
حمدت الله أن لست منهم، إذ عليك تبتسم وأنت في قلب الحدث، دواخلك تتقد. كما الطاحونة لو دخلت قنصلية البلد، العلم فوقها يرفرف. وكثير من الممثليات احتاطت لنفسها من طوفان البشر، فلا سبيل إليها إلا من وراء حجب، أو وكالات متخصصة كأنما مواطنوها بهم جرب! ما خلا دوائرنا في الخارج الحابل بالنابل اختلط: بلدي يا حبوب، سروال ومركوب، وجبة وسديري، وسيف وسكين! المظاهر السالبة انتقلت إلى الشعر فلبس مركوباً وسروالاً وسكيناً. أما سور البناية فقد أحاط به الباعة الجائلون بالسراويل والسرابيل والجلاليب والمساويك و( على الله )! وبائعات الشاي والقهوة حول القنصلية كما فناجين تتوسطها ( جبنة )! وثمة دائخ بالشمس، يطوف بجناحين على كتفيه العراريق، كما فراش حول فانوس. وتسمع أناً بعد آن، برّد يا حران، كأنك في جاكسون أو أم درمان!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللقاءات القادمة:
( 10 ) كما تموت العير برصاص الدعم السريع
( 11 ) الذوات موديل 77/78
( 12 ) جورج أوريل 1984
( 13 ) حفل تعارف

التعليقات مغلقة.