لا تخلّوا الدم يجرّ دم.. حقنا بالقانون لا بالثأر.. بقلم: نادية عبدالقادر

12

 

يا أهلنا..

في يومين بس، فقدنا أولاداً من هنا وهناك، وأمام مأساتين مؤلمتين، أصبحنا أمام امتحان حقيقي: هل نتمسك بالعدالة، أم

نسمح للحزن والغضب بأن يقودانا إلى مزيد من الدم؟

تابعنا ببالغ الحزن الأنباء المتضاربة حول مقتل عشرات المعدّنين السودانيين في منطقة شمال الوادي. دهابة غادروا بيوتهم بحثاً

عن لقمة العيش، لكنهم لم يعودوا إلى أسرهم، بل عادوا جثامين. وحتى الآن، لا تزال الحادثة قيد التحقيق، والأرقام المتداولة

حول الضحايا متضاربة، فيما أعلن مجلس السيادة تشكيل لجنة للتحقيق.

وفي الخرطوم، فقدنا أمس سائقين مصريين، هما محمد لطفي السيد وإكرامي محمد. جاء الرجلان إلى السودان لقيادة

الشاحنات وكسب قوت يومهما وإعالة أسرتيهما، لكنهما قُتلا في السوق المحلي على يد شاب، بحسب المعلومات المتداولة،

أراد الانتقام لمقتل أخيه.

وهنا نسأل بكل ألم: هل استعدنا حق أولادنا بقتل السائقين المصريين؟

لا والله!

لم نستعد حقاً، بل فتحنا جرحاً جديداً، وأدخلنا ضحايا آخرين في دائرة الدم، وعرّضنا قضيتنا لمزيد من التعقيد. فبدلاً من أن تتجه

الأنظار إلى المطالبة بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة في قضية المعدّنين، وجدنا أنفسنا أمام جريمة قتل جديدة، أُلقي القبض

على المتهم فيها، وفق المعلومات المتاحة.

الثأر ما برجع الميت، وما بجيب الحق، وما بشفي جرح الأهل. الثأر بفتح باباً لجرائم جديدة، وبخلّي الأبرياء يدفعوا ثمن جرائم ما

ارتكبوها.

السوداني الأصيل ما بترك حقه، لكنه بعرف كيف يجيبه بالقانون، ويميز بين الشجاعة والتهور، وبين المطالبة بالعدالة والانتقام من

الأبرياء. فما من رجالة في قتل إنسان لا ذنب له في جريمة ارتكبها غيره.

الحقائق الاساسية

ومن هنا، لا بد من التأكيد على ثلاث حقائق أساسية:

أولاً: المسؤولية تقع على من ارتكب الجريمة، لا على شعب بأكمله.

إذا ثبت أن المعدّنين السودانيين تعرضوا لقصف جوي، فلا بد من تحديد المسؤولية بناءً على التحقيق والأدلة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. وفي المقابل، فإن جريمة قتل السائقين المصريين يتحمل مسؤوليتها مرتكبها، ولا يجوز تحميل الشعب السوداني بأكمله وزر فعل فرد.

ما من عدالة في أن نحاسب شعباً على فعل مؤسسة، أو ننتقم من مواطنين بسبب جريمة ارتكبها شخص آخر. لا بد أن نفرّق بين المسؤولية الفردية والجماعية، وأن نرفض تحويل الغضب المشروع إلى عقاب جماعي لا يقرّه قانون ولا يقبله ضمير.

ثانياً: علاقتنا بالشعب المصري أكبر من أن تهدمها جريمة أو تعليق مسيء.

احتضن الشعب المصري آلاف السودانيين الذين فروا من ويلات الحرب، كما احتضن السودان، لعقود، طلاباً وعمالاً وأُسراً مصرية. وهذه العلاقات الإنسانية والاجتماعية لا تعني أن نتنازل عن حقوقنا أو نتجاهل الجرائم، لكنها تعني أن نطالب بحقوقنا من دون أن نظلم الآخرين.

قد نختلف، وقد نغضب، وقد نطالب بالمحاسبة، لكن ما بنخلي جريمة فردية تتحول إلى عداوة بين شعبين، ولا بنسمح لتعليق مسيء على وسائل التواصل الاجتماعي أن يهدم تاريخاً طويلاً من العلاقات الإنسانية.

ثالثاً: التحريض ونشر الصور القاسية والأخبار غير الموثقة يضاعف المأساة.

إن تداول صور الجثامين دون مراعاة لكرامة الموتى ومشاعر أسرهم، ونشر أرقام لم تُحسم صحتها، وتأجيج مشاعر الغضب والانتقام، كلها ممارسات تزيد الألم وتفتح الباب أمام مخاطر حقيقية تهدد السودانيين في مصر والمصريين في السودان.

من حق الناس أن تعرف الحقيقة، ومن حق أسر الضحايا أن تطالب بالإجابات، لكن نشر الحقيقة لا يعني انتهاك كرامة الموتى، ولا يجوز أن يتحول وجع الأسر إلى مادة للتحريض والكراهية.

من قتل المعدنين

وعليه، نطالب بالآتي:

أولاً: إجراء تحقيق مستقل وشفاف في حادثة المعدّنين السودانيين، وإعلان نتائجه للرأي العام، والكشف عن مصير المفقودين، وضمان محاسبة المسؤولين وتعويض الأسر المتضررة وفق ما يثبته التحقيق والقانون.

ثانياً: ضمان محاكمة عادلة وسريعة للمتهم بقتل السائقين المصريين، وإنفاذ القانون دون تهاون أو السماح بأي انتقام خارج مؤسسات العدالة.

ثالثاً: الوقف الفوري لخطاب الكراهية والتحريض، والالتزام بميثاق الشبكة الشبابية لمناهضة خطاب الكراهية، والعمل على حماية المواطنين من الاستهداف بسبب جنسيتهم.

رابعاً: وقف تداول الصور القاسية للضحايا، احتراماً لكرامة الموتى ومشاعر أسرهم، مع ضرورة التحقق من المعلومات قبل نشرها وتداولها.

أنا سودانية، وبقولها بوضوح: ما دايرين دمنا يكون سبباً في سفك دم غيرنا، وما بنقبل أن يتحول وجعنا إلى مبرر لقتل أبرياء.

حقنا بالقانون، ما بالثأر. والعدالة، ما الفتنة. والمحاسبة، ما الانتقام.

من حقنا أن نعرف من قتل أبناءنا، ومن حق أسر الضحايا أن تجد إجابات شافية، ومن واجب الجهات المسؤولة أن تكشف الحقيقة وتحاسب كل من تثبت مسؤوليته. لكن ليس من حق أي إنسان أن يقرر، من تلقاء نفسه، من يجب أن يموت انتقاماً لغيره.

حقنا ما بنضيّعه بالثأر، وكرامتنا ما بنحميها بقتل إنسان بريء. القوة الحقيقية أن نتمسك بالقانون حتى في أشد لحظات الغضب، وأن نرفض الظلم حتى عندما يكون الجرح في بيوتنا.

النيل جمعنا قبل الحكومات، وسيظل يجمعنا بعدها. فلا تخلّوا الدم يجرّ دم، ولا تسمحوا للكراهية أن تفرّق بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ وروابط الإنسان.

#بالقانون_لا_بالدم
#لا_لخطاب_الكراهية

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.