*من كسلا إلى العاصمة القومية.. مشاهدات عائد إلى الخرطوم*

20

 

*من كسلا إلى العاصمة القومية.. مشاهدات عائد إلى الخرطوم*

حملت حقائبي يوم الثلاثاء الماضي بعد سنوات من النزوح في ولاية كسلا عائدا إلى الخرطوم.
لكن الطريق الذي يربط الشوق بالوطن، كان طريقاً يروي حكاية أخرى.. حكاية تجمع بين الخراب وعزيمة النهوض من جديد.
تحركنا من السوق الشعبي في تمام الساعة السادسة صباحا، وكنت أمني النفس في نصل الى الخرطوم تحت ضؤ الشمس بعد أن تحركنا في هذا التوقيت الباكر ولكن…..
كان أكثر ما يلفت الأنظار في الطريق من ضواحي ولاية كسلا الجنوبية مرورا بولاية القضارف وحتى القرى المتاخمة لمدينة أبو حراز بولاية الجزيرة، مناظر الخضرة التي اكتست الطريق مع بوادر الخريف وبدء إنبات الحقول التي تعتمد على الزراعة المطرية وكان ملهما نشاط بعض المزارعين والعمال الذين يعملون بجد في متابعة أعمال النظافة أو الإعداد للزراعة.
وكان ملفتا أيضا التشديد في التفتيش عند نقطة الخلية الأمنية بولاية القضارف وفي مداخل ولاية الجزيرة التي أدت إلى تضجر بعض المواطنين بسبب التأخير والكل يمني النفس بالدخول باكرا للميناء البري بالخرطوم.
إلا أنني أحسب أن التدقيق في التفتيش خطوة تحسب للقوات النظامية وتدل على وجود يقظة أمنية في هذه الظروف العصيبة فأن تتأخر السفريات لساعات خير من أن يتغلغل التمرد بمختلف أشكاله للولايات مرة أخرى ويقعد البلاد لسنوات.
ومع ذلك نحسب على بص سفريات فخر السودان الذي كنا نستقله تأخير وجبة الإفطار الخفيفة التي قدمها البص الي حوالي الساعة الحادية عشرة بعد أن تجاوز البص مدينة القضارف فضلا عن إصرار السائق على المسير دون توقف إلى أن تحدث معه المواطنين وعاد للتوقف عند كافتريا ود البدوي بعد أن تجاوزها، وهنا نهمس في أذن إدارة البص بأن مثل هذه السفريات الطويلة يكون من ضمن ركابها كبار السن وأصحاب أمراض ونساء فلا يعقل أن تسير بهم طوال هذه المدة دون التوقف لقضاء حوائجهم.

قبل حوالي سنتين من الٱن اخترت طريق “الجزيرة” وكنت متوجها إلى مدينة الدويم بالنيل الابيض باعتبار أنه الأقصر، ولكن لم أكن أعلم أنه الأقسى في ذلك الوقت من هول الدمار والخراب الذي وجدناه والعربات المدمرة والمشفشفة على جنبات الطريق بدءاً من مدينة وحتى أطراف ولاية سنار ٱنذاك.
ولكن اليوم بدأ الوضع مختلفا بعد أن تم تجميع كل السيارات في أماكن محددة وبدأت الحياة تعود إلى المحال التجارية المطلة على الطريق القومي مع تزايد حركة المواطنين.
ومن قرى ولاية الجزيرة إلى الخرطوم كانت كل الشواهد تؤكد أن الحرب هنا لم تكن رصاص فقط. بل كانت تخريباً ممنهجاً.
محولات الكهرباء وأسلاك الضغط العالي ملقاة على الأرض، طلمبات المياه مقلوعة من أماكنها حتى الأشجار.. قطعت ليكون خشبها حطباً.
ووسط كل هذا الخراب كانت هناك مشاهد عناد على حتمية العودة من جديد.
وصلت الخرطوم مساء وكانت تغرق في ظلام دامس، ووجدناها صباحا لازالت تحمل وشوم الرصاص التي تحكي عن نضالات التحرير التي سطرت بالدماء.

لكن الفرق أن هنا بدأت الحياة تدب
بالمحلات التي فتحت، والمواصلات التي تجوب شوارع العاصمة.
ختاما أنا لا أكتب هذا لأبكي. ولكن أكتب لأشهد أن الجزيرة دفعت ثمناً غالياً. وأشهد أن الإنسان السوداني لا ينكسر.

كان الطريق من ولاية كسلا مرورا بالقضارف و قرى الجزيرة إلى الخرطوم طويلا..
لكنه ليس طريق عودة فقط وإنما طريق إعادة بناء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.