أم فتفت والمرارة والكبدة النية.. أطعمة خطرة تحاصر السودانيون يوميًا

24

أم فتفت والمرارة والكبدة النية.. أطعمة خطرة تحاصر السودانيون يوميًا

الخرطوم: نفاج نيوز

في الأسواق السودانية، لا تحتاج إلى لتجد وجبة قد تحمل خطرًا صحيًا كبيرًا. قطعة من الكبدة تُؤكل نية، أو مرارة تُقدّم مع

التوابل، أو طبق من “أم فتفت” يُحضّر من أحشاء الذبيحة ويؤكل من دون طهي.

أطعمة تحولت إلى جزء من العادات الغذائية اليومية، يتعامل معها كثيرون باعتبارها مأكولات شعبية عادية، رغم أن تناولها نيئة

يفتح الباب أمام البكتيريا والطفيليات ومسببات الأمراض المنقولة بالغذاء.

هذه المخاطر لا تُرى بالعين، ولا يمكن اكتشافها من الرائحة أو الطعم

المشكلة أن هذه المخاطر لا تُرى بالعين، ولا يمكن اكتشافها من الرائحة أو الطعم. وقد تبدو قطعة الكبدة طازجة ونظيفة تمامًا،

من دون أن يعني ذلك أنها خالية من مسببات الأمراض.

ويقول الطبيب السوداني محمد عبد الرحمن، في حديثه لـ”الترا سودان“، إن الأمعاء تحتوي بصورة طبيعية على أنواع مختلفة من

البكتيريا، وبعضها يؤدي أدوارًا مهمة في الجهاز الهضمي، لكن المشكلة تبدأ عندما لا تُنظف الأحشاء بصورة جيدة، فتنتقل الكائنات

الممرضة الموجودة فيها إلى الإنسان عبر الطعام.

ويضيف أن الخطر لا يقتصر على البكتيريا، إذ يمكن أن توجد طفيليات وديدان في بعض الأنسجة والأحشاء، فيما يمكن لبكتيريا مثل

السالمونيلا أن تسبب عدوى غذائية. ويؤكد أن الطهي الجيد على حرارة مرتفعة هو أحد أهم الوسائل لتقليل هذه المخاطر.

لكن التحذير الطبي لا يعني بالضرورة تغيير العادة الغذائية. تقول عائشة، ربة منزل مقيمة في الأبيض تحدثت لـ”الترا سودان” ، إنها

تحضر أم فتفت في المنزل بالطريقة التي تعلمتها من والدتها وجدتها، “نيئة بالدكوة والليمون والبصل والشطة الخضراء، فمنذ أن

كنا صغارًا ونحن نأكلها بهذه الطريقة”.

وتضيف أن أحد أبنائها اقترح إعدادها على النار، “لكن لا أحد يعمل بذلك، فنحن نأكلها كما هي، ونقول: الحافظ الله”.

وتذكر عائشة اعتقادًا شعبيًا متداولًا في محيطها بشأن أم فتفت والملاريا، قائلة إنهم “إذا كان أحد مصابًا بالملاريا وأعددنا له أم

فتفت، فإنه يستعيد نشاطه في اليوم التالي”.

خطورة أم فتفت

تُعد أم فتفت من أشهر الأطعمة التي يدخل فيها جزء من كرشة الذبيحة، لكن المشكلة الصحية تكمن في طريقة تناول الأحشاء.

ففي السودان تنتشر أم فتفت النية، وهي النسخة التي لا تمر بمرحلة الطهي التي يمكن أن تقضي على كثير من مسببات الأمراض.

ويقول عبد الرحمن إن تناولها نية يعني احتمال بقاء البكتيريا والطفيليات حية، خصوصًا إذا لم تكن عملية تنظيف الأحشاء وحفظها

وتداولها قد تمت بطريقة سليمة.

ولا يجعل الليمون أو الشطة الطعام النيئ آمنًا؛ فالتتبيل يغير الطعم والقوام، لكنه ليس بديلًا عن المعالجة الحرارية اللازمة للقضاء

على كثير من مسببات الأمراض.

الكبدة النية

الكبدة النية لها جمهورها أيضًا، ويحرص بعض السودانيين على تناولها فور الذبح باعتبارها أكثر طزاجة وفائدة.

غير أن العضو الداخلي للحيوان قد يتلوث أثناء الذبح والتقطيع والتداول، كما أن بعض مسببات الأمراض لا يمكن رؤيتها أو اكتشافها

من خلال الرائحة والطعم.

وهذا ليس افتراضًا نظريًا. فقد بحثت دراسة منشورة في Journal of Food Protection خطر الإصابة ببكتيريا كامبيلوباكتر

(Campylobacter) نتيجة تناول الكبدة والكرشة البقرية النيئة، ووجدت البكتيريا في عينات من الأحشاء التي فُحصت. وتُعد

كامبيلوباكتر من البكتيريا المسببة لالتهابات الجهاز الهضمي، وقد تؤدي العدوى بها إلى الإسهال وآلام البطن والحمى، وفي

حالات نادرة إلى مضاعفات عصبية.

وفي دراسة أخرى، عُثر على كامبيلوباكتر في 17 من أصل 20 عينة من عصارة كبدة بقر طازجة، ما يعادل 85% من العينات في

تلك الدراسة. ولا يمكن تعميم هذه النسبة على الكبدة في السودان، لكنها توضح أن الكبدة التي تبدو طازجة ونظيفة قد تحمل بكتيريا ممرضة.

لذلك فإن “الطازة” ليست مرادفًا لـ”الآمنة”. سلامة الطعام تعتمد على مصدره، ونظافة التعامل معه، وحفظه، وطريقة طهيه،

وليس على حداثة الذبح وحدها.

والمرارة؟

تظهر المرارة أيضًا ضمن الأطعمة التي يتناولها بعض السودانيين نيئة أو مع إضافات حارة، خصوصًا في سياقات مرتبطة بالذبيحة

والمعتقدات الشعبية حول فوائدها.

فقد وجدت دراسة على مرارات أبقار في مسلخ أن بكتيريا كامبيلوباكتر كانت موجودة في 35.7% من عينات الصفراء التي فُحصت.

وتوضح الدراسة أن الصفراء يمكن أن تكون مصدرًا لتلوث الكبد أثناء الذبح، وأن منع هذا التلوث يمثل أحد إجراءات السيطرة على العدوى.

وهذا يعني أن المرارة قد تحمل بكتيريا ممرضة من دون أن يظهر ذلك عليها، ولا يمكن معرفة وجودها بالنظر إليها أو شمها.

مخاطر أخرى

لا تتوقف المخاطر عند البكتيريا والطفيليات. يقول عبد الرحمن إن أم فتفت تحتوي كذلك على كميات مرتفعة من الدهون

والكوليسترول، ما يجعل الإفراط فيها أكثر خطورة على الأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب أو ارتفاع الكوليسترول.

كما أن إضافة كميات كبيرة من الملح قد تجعلها خيارًا غير مناسب للأشخاص الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم.

أما مخاطر التلوث، فيمكن تقليلها عبر تنظيف الأحشاء جيدًا، ومنع انتقال التلوث إلى السكاكين والأسطح، وحفظها في درجات

حرارة مناسبة، ثم طهيها جيدًا.

عادة غذائية

المشكلة في هذه الأطعمة أنها لا تُقدّم باعتبارها تجربة خطرة؛ إنها جزء من الحياة اليومية، وجبة بعد الذبح، أو طبق في السوق،

أو قطعة كبدة تؤكل فورًا، أو “كوم” من أم فتفت مع الليمون والشطة.

ولهذا لا يكفي التحذير من دون تفسير. المطلوب هو أن يعرف الناس أن “النية” ليست أكثر أمانًا لمجرد أنها تقليدية، وأن الليمون

والشطة لا يحلان محل الطهي، وأن الكبدة الطازجة ليست بالضرورة خالية من الميكروبات.

في النهاية، يتعلق الأمر بسؤال بسيط: هل يستحق الحفاظ على طريقة تناول قديمة تعريض الإنسان لمرض يمكن تفاديه بالطهي الجيد؟.

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.