*بدون سكر*.. يوسف العطا يكتب: سيارة عمري.. تفشى الخبر

87

ذات يوم كنت في عجلة من أمري أجمع من الركاب ما يتيسر. مهنتي سائق بعد التقاعد. أدرت المفتاح فلم تكركر سيارتي.

الاهداء:
إلى أسرتي…
كانت لنا دار يجمعنا فيها اللقاء لتناول الغداء ومناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل مناقشة ميزانية الطعام، الشراب، الصحة والتعليم، المعتمدة، لا سيما بعد تدهور قيمة العملة وصيرورة الجنيه لا يشبع نملة، وتضاؤل الموارد المحلية من ريع عربتي التي كدها الترحال، ثم عيناً أصابتها في مقتل وبها أبدأ هذه الحلقات..
وربنا يصلح الحال..

 

لم التزم بالتدوين في النموذج الذي وردني من قنصلية بلدي ( X). سيضحك القائمون فيها، يظنون بي لوثة من جنون، فليس من المعقول مثلاً أن أطلب فدية عن القط طرطر ولا أدري له المقر. طقطقت أصابعي على الحاسب الآلي بأشياء لا تصدق، منها على سبيل المثال لا للحصر سيارتي التي مفتاحها معي.. انسحبت عن أسرتي لا يرون دموعي. نظرت في مرآة يساري فبدت لي سيارتي ماثلة في خيالي. أدخلت مفتاح التشغيل وقبل أن يدور بها المحرك خرجت أتفقدها. أنفض عنها غبار الطريق وتعب سنوات العمر. أتأكد أن ليس تحتها القط طرطر أو سواه من ( الكدايس ). أفتح غطاء المقدمة. أتم الماء فيها. أسحب معيار الزيت أرجوانياً لم ينقص.
ذات يوم كنت في عجلة من أمري أجمع من الركاب ما يتيسر. مهنتي سائق بعد التقاعد. أدرت المفتاح فلم تكركر سيارتي. قلت اللهم خير. حاولت ثانية وثالثة، ولكن… ( لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي! ). خرجت إلى الواجهة فإذا الغطاء موارباً مثلما على طنجرة عظيمة. سحبته إلى أعلى فإذا البطارية شاغر مكانها. لم تصوت سيارتي تنادي ( وا معتصماه ) رغم أنني من حرصي عليها جعلت في جوفها جهاز إنذار مبكر. تولول إن مسها المنكر. ربما هي نامت البارحة فسرقها أعز ما تملك الحرامي.
اللص تفنن وفيها تخصص. مرة سرق المرآة الجانبية وثانية خلعها النعال وقوفها على حجر. وثالثة كسر الزجاج. ولأنها مرعوبة لم تصوت. ولما هذا حالها أمنت لها الحماية اللازمة بشبك حديدي تشده أقفال وجنزير كما لو زنزانة السجن الكبير كوبر. لم أبخل عليها بمظلة تقيها الشمس والمطر. ولكن .. رغم تلك التحوطات لا أنام؛ مشغول بالي مثلما حارس ليلي. أرخي السمع. أهرع وليس إلا وشوشة الريح في شجر النيم وزخات المطر.
كم افتقدها. سيارتي أمست بعيدة. كم كنت أحبها إلى درجة أن أم العيال الأصل تغار منها ضرة ثانية من حديد تنال الاهتمام. رباه أين رمى بها الزمان؟ لعلها تعبت فتستريح الآن في ( انجمينا ). لعلها سبية تباع في سوق النخاسة بالضعين. لعلها في مالي. سُلبت مني وهي مالي.
سيارتي مثل كل الزوجات تخاصمني. لا تحرك ساكناً. تتدلل حتى يدفع بها الدافعون فتكركر ويفر من تحتها القط طرطر. تدخن خلف ظهري شأن المراهقين وأنا آخر من يعلم. يوم ( الفحص الدوري ) عرفت الحاصل. نتيجة الفحص رسوبها في كل المواد. البطارية. الأنوار. اللساتك. مساحات دموعها على الزجاج. أعدت الامتحان بها بإطارات جديدة وطفاية حريق التي من أهم اللوازم. والتأمين الصحي والتأمين ضد الحريق والشامل من محل ( الشامل للتأمين ). أخيراً تم تسوية الأمر ولصق الاستكر بعد دفع المقدم والمؤخر فصار أقرب الأجلين الطلاق أو الممات، وذلك بشهادة الكابلي والحسين الحسن، غير أني عزمت أبيعها. أبقيت الأمر سراً ولكن…
حبيبة عمري تفشي الخبر.
وكنت قد أقمت عليك السياج
وخبأتك عن لصوص البشر.
على غير ما كنت أنتظر جاء في الأنباء أن سيارتي سرقت. وآخر عهدي بها أن:
فتحت اللديتر وعبأته بماء أخضر
ليس قابلاً للصدأ.
حبيبة عمري.. من حرصي عليك جعلت على صدرك حجاباً ضد السرقة، وجرساً يرن إذا زولاً هبش. عهدي بك بعد كل خصام نتصالح. انتظرك على أحر من الجمر أرشف شاياً حتى يتم المكياج. المكياج غسيل وتجفيف وتلميع البودي فإذا أنت بيضاء أبهى من القمر. مليون من الجنيهات أدفعها للكوافير عن طيب خاطر. وأمضي بك مزهواً حتى كأن ليس في الطريق سوانا. طوراً أسرع وتارة أتمهل أن ثمة مطب أو رجل مرور يتربص.
وكل عيد نختصم وسبب ذلك أن في جوفك خروفاً يضرب برجليه ( الضهرية ). وكأنما هو سجين تحته البعر. مرات نقطع الإشارة حمراء مثلما بطيخة طعمها السكر.
ـ تقولين ماذا؟
تقولين ويحي!
تقولين تعبت وأنت في أم جمينا؟
يعلم الله افتقدك. أبلغت عنك: كورولا رقم اللوحة ( خ 5/ 24286 ). حبيبتي. خوفي أن لا نلتقي وقد انقضى العمر. لقد كنت أحبك وما زلت مغرماً.
أنت كل مالي.
ذكراك حبيسة بالي وقد هطل المطر.
وليس من خروج
وأمام داري مترع بالماء المنهمر.
مرات أعود بك ملطخة الكفرات بالطين كما الحناء على القدم.
ومرات صحبتي الكابلي والحسين الحسن.
نزور الأقارب والأهل.
فيك كتبت الشعر:
حبيبة عمري. تفشي الخبر.
تم خطفك.
تجاوزت الضعينا.
عبرت الحدود.
بلغت مالي.
أسمعك تقولين مالي!
ذكراك خالدة يوم كنا أمام ( محطة محروقات اسمها الوطن ).
بتنا ليلتنا أنا وأنت والأخر.
الصمت يلفنا تحت ضوء القمر.
نصيخ السمع.
نجيل البصر في انتظار تنكر الوقود يصل.
وكم مرة والدنيا حر
العربات مصفوفة وكل يمني النفس بتعبئة خزان الوقود فل.
ومرة على شارع ( الهوى ) نجري لا يدركنا الخطر.
من خوفي عليك وكنت قد أزمعت السفر
أن بعجت اطاراتك.
حطمت زجاجك.
خلعت طلمبة الزيت.
كنت غاضبة مني لماذا أفعل؟
يعلم الله ـ والأعمال بالنيات ـ قصدت حفظك. وكما توقعت جاءني الناعي بالخبر.
تم سحبك مقطورة.
أغمي عليك فلست تدرين أين المستقر.
على صدرك المصحف الشريف فيه المعوذتان. كتابتي على صفحتك ( سيري وعين الله ترعاك ) وعلى الأخرى ( عين الحسود فيها عود ) والمذياع في جوفك يدندن ( اديني رضاك.. قدامي سفر ). ولا أنسى يوم قدومك عروسة ليلة العمر. مزفوفة من قطر. مهرك غال عشرة مليارات لا تنقص. والكرامة ثور كامل تنادى له الصحاب والأهل. وصبغت كفي ثم بصمت أن ( يا أول حب وآخر حب ). وجيء لي بكيس فلفل أسود خبأته في جوفك تحت المقعد. جزموا بأنه رقية ضد السرقة والحريق والخطر. وفي الغداة اخترت لك فرشاً مخملياً من محطة الغالي. وحول المرآة علقت عنقوداً مزركش يلمع بالترتر.
ثم إني بكيت يوم أن نعى الناعي أن ( قبر سيارتي في مكان قفر، وليس قرب سيارتي قبر ).
مسحت دمعي..
ولولا الحياء لهاجني استعبار ولزرت قبرك والحبيب يزار.
سمعت أم أبنائي من جانبها تدعو.. تدعو أن
ـ يا الله تشل من امتدت يده إلى عفشي. ومثلها دعوت ثم أمنت:
ـ اللهم آمين.
ـ وأن تجعل عدتي كيداً في نحورهم.
ـ اللهم آمين.
ـ ولا تحقق لهم غاية.
ـ اللهم آمين.
ـ ولا ترفع لهم راية.
ـ اللهم آمين.
يوسف العطا / القاهرة

التعليقات مغلقة.