*بدون سكر* يوسف العطا يكتب: أول عهدي بالسفر..!

في مستهل غربتي، عُهد إلى أمر تبرمت منه، ولكن كسب العيش حتم الامتثال، سيما أن من ضمن بنود العقد المبرم بيني والطرف الأول فقرة تنص على تكليفي بأي مهام أخرى في مجال العمل إلى جانب وظيفتي الرسمية.
الشاهد.. كرهت شيئاً جعل الله فيه خيراً كثيرا كما سيرد بيانه. مهنتي ( مترجم لغة انجليزية متعاقد ) لمد حبل الوصل بين العربية والناطقين بغيرها في الدائرة التي انتهيت إليها. مكتبي صالة مشتركة لموظفي الصادر والوارد، التعامل فيها مع جمهور المراجعين من خلال نوافذ. مهمتي الجديدة كاتب.. ( كاتب صادر ووارد ). يأتي إليّ المراجع بتذكرة فيها رقم معاملته، فأنظر قيدها في الدفتر أمامي من أين وردت، ثم أحبر أين ذهبت.
لم يكن الأمر ميسوراً مطلع الثمانينات من القرن المنصرم، فليس في أيدينا عفاريت هذا الزمان ( حواسيب تأتيك بما تريد قبل أن تقوم من مكانك، أو يرتد إليك طرفك )، وإنما يتعين النظر ملياً في دفاتر الصادر والوارد التي أكل الدهر عليها وشرب. دفاتر بعضها معمر أكثر من خمسين عاماً خلت، وبعضها نسج العنكبوت عليها خيوطه. وفاقم في أمري أن خلق الإنسان من عجل. من أمامي يعنيه أن أرشده إلى أيً من أقسام الدائرة الستة عشر أحيلت معاملته. ولك أن تتخيل مشقة المهمة وكل عام له من دفاتر الصادر والوارد أربعة يطعمها وأنت بين صفحاتها شطيرة لحم كاملة الدسم. ذلك الحساب مائتا دفتر. والحل؟
الحل هو أن أبحث عن حل وقد أحيط بي لا مفر. حدثتني نفسي أن أكمل عامي ذاك الأول ثم أهرب. أفر بجلدي لا أجدد التعاقد. أعود إلى بلدي التمس عملاً أتكسب منه لقمة العيش… ويا دار ما دخلك شر. ولكن في الحين والتو تقفز إلى ذهني صور معاناة الأمس حين كنت أغدو كل صباح إلى مقر صحيفة التحقت بها محرراً. وأعود منها مساءً متعباً منهكاً من رهق المواصلات، ثم الراتب الذي أتمول نهاية الشهر ضيف متعجل لا يقيم أكثر من ثلاث ليال في جيبي. رشة ماء مطر لا تروي أرضاً أصابها الجفاف والتصحر، والفقر يلازمني لا يبرح.
وبينما كذلك وجدت مخرجاً. كوة نفذت منها إلى بلاد العرب. ركبت الطائرة هرباً من الفقر الذي انطلق في أثري يلاحقني وليس ثمة ملاذ سوى الاحتماء خلف نافذة مسيجة. قبلت بمحبس الوظيفة، أمامي دفاتر الصادر والوارد مكدسة، وما أنجاني سوى الفن أنظم به الفوضى.
الفوضى أول مرة خبرتها أوان عملي بالصحيفة التي نعتوها بـ ( دار الآلام السودانية ) لبؤس حال العاملين فيها وقد ضاق الخناق. معيتي أستاذ لي أدعو له بالرحمة والمغفرة. كان رجلاً رائعاً في كل شيء بما ذلك الفوضى! يفاجئني كل أسبوع أن أبحث له عن صورة لزيد من الناس ـ كاتباً أو شاعراً ـ وليس من الساسة ولعيبة كرة القدم الذائع صيتهم. لابد من تزيين ( ملحق الآداب والفنون ) بتلك الوجوه من المبدعين. من مهامي في معية صاحبي ـ الطرف الأول ـ أن آخذ المقص بعد بحث في أكوام الصحف القديمة. ثم معه نقص ونلصق. نقص ونلصق حتى بدا لي أن بضاعتنا تبور. لم تعد الخرطوم تقرأ ما نقص ونلصق. بات الأدب في مدينتنا لا يطعم أهله خبزاً وقد ضرب الفقر. قلت لصاحبي وداعاً وقد آن السفر. وصيته أذكرها يشد على يدي:
ـ لا تطول الغيبة!
ـ حاضر!
ـ ولا تشتغل بغير الأدب.
ـ إن شاء الله.
طال الغياب. تركت في مكتبي ذاك الأول ارشيفاً من صور الفنانين والكتاب يتخير منها استاذي طعامه وشرابه في ( دار الآلام السودانية ) تلك. مكثت قرابة أربعة عقود من الزمان ـ خلف سياج نافذة الوظيفة ـ بعيداً عن الأهل والوطن لأكفل لأسرتي ما يعينها بعدي. حلمي مغترباً يبني داراً. يشتري سيارة. ويودع في البنك ديناراً. ولكن الفوضى سيدة الموقف فليس في ذهني خطة خمسية أو عشرية. ليس في جيبي قرش أبيض ليوم أسود حتى أدركتني الشيخوخة وآلام الركب وما نحن الآن فيه من كرب. وحتى لا أدخل في متاهة التفاصيل ويضيع من قدمي الطريق أعود إلى دفاتر الصادر والوارد مكومة أمامي، فثمة مراجع لا يعنيه من أمري شيء. همه أن أبحث له عن معاملته التي وردت إلى الدائرة قبل نصف قرن! يستعجلني وقد خُلق الانسان من عجل! ثم إني هتفت:
ـ وجدتها!
صدق من قال بالمعاناة تصنع فناً ولعلها تصفعه. قلت فرحاً أخاطب الدفاتر لا الرجل:
ـ بنات الكلب!
( بنات الكلب ) جمعتها أمامي على المكتب وقد جئت بأقلام تحبير. جعلت لكل دفتر منها لوناً يميزه، مصفوفاً مع غيره على رفوف الدولاب بأرقام مسلسلة بحسب كل عام. حين أفتح درج مكتبي اختلس شفرة الألوان، ثم أقوم إلى المراجع أعطيه رقمه قبل أن ينصرف عن النافذة، فإذا هو يعجب أن كيف تيسر الأمر يتتبع معاملته إلى أين ذهبت!
محتار من أمامي، كيف وجدت الرقم فيما احتسي كوب شاي كأنني بلا هم. لساني ينطق ( بنات الكلب ) وأوشك أصفر بالفم! ثم أمسى بعض من أمامي يمازحني:
ـ يا زول.. أنت معك جن!
ليس جناً بل تلك الدفاتر مصفوفة ( قرقول شرف ) أتفقدها وهي ساكنة لا تطرف لها عين، ولا يغمض لها جفن، ولا يرتجف لها بدن. تنصاع لي كأنما رئيس هبط البلد، وئيد الخطى على سجاد أحمر. وبذا كنت ابتسم فيما افحص بالنظر. ثم انقلب السحر على الساحر، فإذا حالي أمام الواقفين من سيد إلى موظف ينفض الغبار عن الدفاتر وقد لزم الأمر.
ليس رئيساً ولا ماسح أحذية، وإنما التدبير فن. فن خرجت به من بلدي أتكسب. تخرجت في الجامعة ببكالوريوس آداب ليس ينفع في سوق العمل. لكن على غير توقع ـ بعد بحث وقراءة الصحف ـ تصيدت إعلاناً بطلب مترجمين وخطاطين، فهرعت إلى حيث لجنة تجري المعاينة. قدمت ورقي…
ـ أنا أجيد الخط.
ـ هل معك شهادة من كلية الفنون الجميلة؟
ـ لا.
ـ أنا مترجم.
ـ لكن يا زول ليس تخصصك لغة انجليزية!
ـ نعم.. ولكن…
تلعثمت ولم أجب من سألني. ثم كأن الرجل رق قلبه وقد رأى بؤس حالي:
ـ هل تجيد الانجليزية؟
ـ هي لغة التدريس في جامعتنا الخرطوم.
تلك الجملة كان لها لصق الصمغ العربي، فبها تم رتق الأمر. أحضرت شهادتي الجامعية موثقة، عظم الظهر فيها اللغة الانجليزية. وبذا تسنى لي ركوب ( الطيارة ) فراراً من الفقر ولكنه ما انفك في أثري حيثما حللت، وأينما وليت، لا يكل ولا يمل ولا يفتر.
ـ عجل يا زول. ورانا شغل!
كان عليّ التعجيل فالمراجع أمام النافذة على أحر من الجمر؛ لا يعنيه خبايا نفسي، أتفقد قرقول الشرف أو عامل ورنيش، سيان عنده الأمر. لحسن حظي وقت الدوام الرسمي انتهى. أطفأ العامل ( أنيس الرحمن ) أنوار مكتب الصادر والوارد.

التعليقات مغلقة.