▪︎ سطرنا كثيراً من المقالات ، وكتبنا في نواحي شتى ودروب عديده ودلغنا حبراً كثيفاً على صفحات الصحف الورقية، والمواقع الالكترونية، وشخصنا كثيراً من العلل السياسية والخطوب الرياضية، وبالكاد الإجتماعية، وكنا حينها شباباً نمتلىء حماساً وطاقة، وغيره على البلد، أخذتنا الصحافة في منعرجات عدة خضناها بلا وجل سوى كثير توجس من مستقبل البلد، وخوفنا على سقوطه في مستودع التخلف عن ركب الأمم المتحضرة والناهضة بسواعد أبناءها، ونحن في خضم هذا البحر المتلاطم الذي لا ساحل له “سقطنا سهوا” لا عمداً أن نكتب ولو قليلاً عن مهد الصبا وموطن الأجداد قريتي الحبيبة “أم سنط” وهي التي منحتني كل مقومات النجاح، وزوتني بالقيم والمثل والاعراف الحميده، وأخرجتني لأكون ناجحاً في المجتمع، ولعلني أبوح سراً إذ قلت أنني رغم إنغماسي في الوظيفة، وإنشغالي بمتطلباتها التي حتمت علي البعد عنها، إلا أنني كنت بمعايير الوجدان والرابط الأزلي قريبا منها وإليها، كيف لا وهي التي إحتضنتني من مهد الصبا، وترعرعت بين أزقتها وحيشانها، ومارست الركض في ساحاتها وميادينها، حتى شبيت عن طوقي وأصبحت رجلاً، بل وحتى الأن تمدني بالتحنان كما الأم التي تحيط إبنها بالرعاية والإهتمام حتى ولو أصبح كهلاً.
▪︎ وكل من ولد وترعرع في قرية أم سنط، يعرف صفاتها الجميلة، ويدرك حنانها على أبناءها، ويسجد شاكراً الواهب على نعمة إنتماءه لها، فهي ليست قرية نموذجية وكفى، بل هي قطعة من الأرض مليئة بكل ما هو جميل، تحفها الخُضرة على جنباتها، وتحيطها “الجنائن” على ضفافها وتمتلىء بضمائر ناسها البيضاء من كل شائبة، وحين تمارس علينا الغًربة طقوسها، ويعترينا الشعور بالملل والكآبة، كنا نيمم وجوهنا شطر “أم سنط” لإدراكنا المشبع باليقين، أنها ستمسح على وجوهنا غبار الأتربة وتربت على أكتافنا، وتمنحنا الراحة والطمأنينة، وهي هكذا سخية معنا حتى المنتهى، ولا تبخل علينا بحضنها وحنانها، وحتى حين إحترقت الخرطوم بنيران المرتزقة، وأفل العوام راجعين لجذورهم، كانت “أم سنط” هي المحطة التي توقف عندها أبناءها، وهي تفتح أحضانها قبل أبوابها ودواوينها للجميع، وتستقبلهم بكرمٍ حاتمي غير مستقرب، كأنما تقول لهم مرحباً بكم في دياركم وموطنكم.
▪︎ ولمن لا يعرف “أم سنط” أو من يريد أن يسأل عنها نقول له بفخر هي عبارة عن “قطعة ماسية” ولدت من رحم طهور، وإستقرت في الضفة الشرقية، لمدينة سنجه، قرية نموذجية تقع في بقة طاهرة، تحدها شمالاً “قبة الشريف النور” وجنوباً مدينة كركوج وشيوخها العظماء، وتحتضن في داخلها جميع القبائل، والسحنات، لا هم لهم سوى ان تكون قريتهم في حدقات العيون، ومفخرة للزائربن، يمارسون طقوس المديح وليالي الذكر ليلاً ويعكفون في المساجد لتلاوة القرأن، ويصبحون باكراً لممارسة أعمالهم بنشاط وهمة، فالتلاميذ تجدهم مهمومين بدراستهم، والمعلم يحمل هم أن يخرج أجيلاً تفاخر بهم القرية، وأصحاب الجنائن يمارسون أعمالهم طيلة اليوم، ويعودون بالمساء، لممارسة طقوس الزيارات وتفقد الأحباب، نادي أم سنط يفتح أبوابه كل مساء إستقبالاً للشباب والرجال، للعب الكشتينة، أو مشاهدة مباراة طرفها الريال أو البارسا، يزدحمون في مشاهدة دوري الأبطال ويتباينون في تشجيع الفرق، وإن كانت الغلبة ترجح كفة الريال.. هذه هي قرية أم سنط بلا تكلف. مجتمع معافى من آفة العصر، حصين من كل دخيل مؤذي، فلا طمست هويتها بجديد إفرازات التكنولوجيا، ولا بدلت تقاليدها، بتجليات الحداثة، ظلت هكذا قوية، متماسكة، لا تهزها رياح التغيير، بيد انها تأخذ ما يفيد أبناءها وترمي ما يضرهم في سلة المهملات،
▪︎ الكتابة عن “أم سنط” تحتاج بالضرور إلى “مزاج عالي” قبل أن تضع أمامك أدوات الكيف “جبنة، شاي” لتكتب بمزاج وحروف تضاهي مكانتها وشموخها وكبرياءها، ولعل رابط الإنتماء يشعرك بالحنين متى ما اخذتك الغربة وفعلت بك الأفاعيل، ولأنها كريمة أصيلة كنا نتزود منها قبل السفر، ليكون لنا خير معين في الغربة، فهي حنينة حتى ونحن نمارس عليها جورنا، ولكنها كانت تهمس لنا كما المغني “لو جارت عليك أيام تعال لعيونا بتشيلك”
“وخزة عند اللزوم”
سؤال لطالما ظل يتردد في الخاطر، فحواه هل للحروب فوائد؟ لا أدري ولكني قد منحتني الحرب فرصة أن إستعيد بعضا من ذكرياتي وأنا أمارس متعة التجوال بين خضرتها، وأزقتها، وأتذوق طعم القهوة باكراً على يد الحنونة والدتي أطال الله في عمرها، ثم أهم خارجاً دون أن احمل هم أفطر وين، فالدواوين على كثرتها أبوابها مفتوحة، وهي تعج بالصواني في الفطور، والغدأ.
“وخزة أخيرة”
عزيزي القاريء هذه هي قريتي أم سنط، هل بعد كل هذا الوله ألا تستحق منا أن نكتب عنها درر الكلام، وجمال المفردة وحلاة التعبير، فما نكتبه وكتبناه، هو نقطة على ساحل عريض وحتما لها دين علينا صعب علينا أن نفي به.
ودمتم